سفرٌ في معاريجِ الروحِ..  

صباح بن حسونة

 

سفرٌ في معاريجِ الروحِ..

 

للبحر و أنا ألجه في ذلك المساء العابق بالصّمت و الفراغ، دفء حضنك وحنوّ لمساتك. أتلمّسه بشغف بعد أشهر من الغياب.شغفِ اللّمسة الأولى وارتباكاتِها. أنعتقُ بعد ذلك وأعلن الخضوعَ لتيّارِ الماء. أتشرّبه و يتشرّبني فتسري النشوة في دهاليز الرّوح والجسد.

للبحر مذاقك ونزقك، يسحبني إلى أكثر الأماكن حميميّة و يتركني وحدي أصارع تيّار ذاكرةٍ لا يملؤها غير طيفك. أنا التي جئت لأغرقك فيه بالنّسيان فأغرقني فيك بالذّاكرة .

يهمس لي البحرُ بتفاصيل الحكاية، يأخذني إليها و إليك فأستعذب العناد و التحدّي.

أتطاول على الموجِ فيغمرني ماؤُه و يُطيح بي بعيدا. أستعذب ملحَ مائِه وأستكينُ للذّكرى.

لا شيء في الغياب يوقف نزقَ الذّاكرةِ و جنونَها. ترهقنا بتفاصيلها العالقة بالقلب كوشم،

كآثار جرح قديم غائرٍ استعصى على الاندمال فترك نتوءات و تشوّهات لا تُمحَى.

تتلاعب برغبة النّسيان، تراوغها فتوقظ مكامن الوجع فينا و تضاعفه..

أنا من أشعلَ حرائقَ الغيابِ و أنا من يعزف عن إطفائها..

تعرّيتُ عن آخري و ارتديتك ثوبا داخليّا يلتصق بثنايا القلب و تفاصيل الجسد و لن أنضُوَك عنّي ولن أطفئ الحرائقَ..

سأعانقكَ حلما و أنتشي بالغياب..

لا شيء يشعل فينا الحبّ كما الغياب، نحن من أدمنّا البين و عشقناه..

في الغياب يمتدّ حرفي، تتكاثر أبجديّتي و تتناسل على الورق، أنجح في وأد بعضها كي لا تشي باشتعالاتي و يتمرّد عليّ البعضُ الآخر فيتماهى مع الورق، يصير جزءا منه يلوّنه بالأزرق الملكيّ، كلون البحر وامتداد السّماء فتنبعث منه رائحة الحبر و الحبّ والحياة.

للحبّ كما للحبر رائحة، و للغياب الذي ينتعله القلبُ بخِفّة أحذية الصّيف، ما لها من قدرة على حمايته من وعثاء الطّريق و انكساراته .

رائحة الحبّ تفوحُ رغم الغيابِ و رائحة الغياب تطغى رغم الحبِّ و بينهما يتمزّق القلب.. فما أشقاك أيّها الحبّ و ما أشقاني بك !