
الريميتي” بين سلطة النص و حصانة الولاء العاطفي للكاتب .
“الريميتي” بين سلطة النص و حصانة الولاء العاطفي للكاتب .
مصطفى بوغازي/ الجزائر
إنّ تحويل السجال الأدبي من ساحة القراءة الفنية المتأنية إلى خنادق الخصومة الشخصية يمثل نكوصاً فكرياً خطيراً يُفرغ النقد من جوهره المعرفي ويدفعه نحو الهامش. فكلما طالعتُ مقالاً يجنح إلى إضفاء “العصمة الجمالية” على رواية “الريميتي” بالاتكاء على منطق الوفاء العاطفي، والتاريخ العائلي والعلمي، والسيرة الإبداعية للدكتور واسيني الأعرج—تلك السيرة الراسخة في سجلات الإبداع العربي والعالمي منذ عقود، والتي أضحت صرحاً مكيناً غنياً عن التذكير عبر تدوينات عابرة هنا وهناك—أدركتُ حجم المأساة التي تمس النص والمؤلف على حد سواء.
إن محاولة العبور على “جسر العاطفة” لاستمالة القارئ وإقناعه لا تعدو كونها مأساة فكرية تُمارَس ضد الأدب؛ فحين ينحدر الخطاب النقدي من مناقشة البناء الروائي، وتشريح المعمار الجمالي، وسبر أغوار المعنى، إلى استدعاء معجم التجريح والسباب (من قبيل: الأورام، المنافقون، بغاث الطير، نباح الكلاب، والحساد)—تلك المفردات التي طغت على بعض “بيانات المساندة”—فإن المشهد يُسحب تماماً من فضاء الفكر والثقافة إلى مستنقع الشخصنة والتصفيات المعنوية. وهو سلوك يمثل هروباً بلاغياً ومغالطة نفعية تسعى لإسقاط مشروعية الآخر دون مواجهة حجته أو تفكيك طرحه.
الرواية الحقيقية لا تعجز عن حماية نفسها بجمالياتها الذاتية؛ ومثل هذه المرافعات العاطفية ليست غير ضرورية فحسب، بل تتحول إلى عبء ثقيل يربك النص ويشوّه استقلاليته. فالصداقات الشخصية ومحاكمات النوايا لا تشفع للعمل الإبداعي أمام عين القارئ الحصيف. فالرواية، فور خروجها من المطبعة، تتملص من عباءة كاتبها، وتتخلّى عن سلطة اسمه وألقابه، لتقف مجردة أمام المتلقي، تحاكمها أدواتها الفنية لا تاريخ صاحبها.
لقد جرى استبدال مشرط التحليل الدقيق بقاموس الهجاء والشخصنة؛ غير أن التاريخ الأدبي يعلمنا أن الأفكار لا تُدحض بالنعوت الجارحة، والأعمال الروائية لا تُحصّن بتعليقات الإشادة والتعاطف، بل تفرض حضورها بجودتها، ومتانة بنائها الفني، وعمق إنسانيتها.
إن إسباغ الأوصاف المبتذلة على المخالفين تحوّل السجال حول هذا النص إلى مظاهرة من الإفلاس النقدي المزدوج؛ فالمدافع أظهر عجزاً جمّاً حين اعتمد المنطق العاطفي ولم يكلف نفسه عناء الإبحار في النص واستكشاف مكامن جماله، والمخالف سقط في الفخ ذاته حين انطلق من موقف مسبق وتحاملٍ سطحي لم يتجاوز عتبة الغلاف.
من المؤكد أن التراجع عن القراءة النصية لصالح النقد السياقي الانفعالي يحول المعارك الأدبية إلى مجرد أصدَاء اجتماعية تُفقد النص قيمته الجمالية، كما أن إقحام التاريخ العلمي والشخصي للكتّاب في التقييم الأدبي يعيد إنتاج “سلطة الأبوية الثقافية” التي تعوق ولادة قراءة نقدية حرة ومستقلة.
إن المراهنة الحقيقية على استمرارية أي مشروع إبداعي لا تمر عبر حشود المريدين، ولا تُبنى على صخب السجالات العابرة، بل تعتمد بالكلية على قدرة النص على البقاء حياً ومقنعاً بعد أفول ضجيج المدافعين والمتحاملين على حد سواء. إن الحماية الأكرم للدكتور واسيني الأعرج ولرواية “الريميتي” ليست في تحصين العمل بهالة من العصمة أو إحاطته ببيانات التعاطف، بل في ترك الرواية تخوض معركتها الجمالية بنفسها في فضاء القراءة الحرة. فلن يُعفَى النص الأدبي يوماً من الاختبار الفني الصارم لمجرد أن صاحبه يملك رصيداً تاريخياً، ولن يُسقط العمل الجاد لمجرد أن ناقده انطلق من مواقف شخصية؛ فالأدب، في نهاية المطاف، غربال لا يُبقي في ذاكرته إلا ما وُلد أصيلاً، عميقاً، وقادراً على الصمود أمام النقد المنهجي العاري من الغرض والهوى.
رفعت للتصميم












