من باب المندب إلى شبكة الشراكات.. كيف أعادت الأزمة تشكيل الخيارات الاستراتيجية السعودية؟

من باب المندب إلى شبكة الشراكات.. كيف أعادت الأزمة تشكيل الخيارات الاستراتيجية السعودية؟

بقلم: مصطفى محمد القرشي

آخر تحديث وتحليل للمعلومات: حتى الساعة 20:00 من يوم 19 سبتمبر 2026، بتوقيت مكة المكرمة

 

في الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من أدوات القوة، وإنما بقدرتها على معرفة متى تستخدمها، ومتى تمنح السياسة والدبلوماسية فرصة للعمل، وكيف تحوّل الوقت من عبء عليها إلى مساحة أوسع للحركة.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما جرى بعد لقاء ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة في 15 سبتمبر 2026.

فاللقاء جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد التهديدات المرتبطة باليمن وباب المندب والبحر الأحمر، وامتداد المخاوف إلى أمن الملاحة والتجارة والطاقة. وقد شدد الجانبان خلال مباحثاتهما على أمن وحرية الملاحة البحرية، وعلى أهمية التنسيق تجاه التطورات الإقليمية.

لكن الأيام التي أعقبت لقاء القاهرة أظهرت أن المسألة لم تعد مجرد أزمة عند مضيق بحري بالغ الأهمية، وإنما اختبارًا أوسع لكيفية إدارة السعودية للتصعيد عبر مسارات متوازية: حماية أمنها الوطني، ودعم استقرار اليمن، وتأمين الممرات البحرية، وتوسيع دائرة التعاون الإقليمي والدولي، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام الحل السياسي.

باب المندب.. عندما تتحول الجغرافيا إلى أمن دولي

التطورات الأخيرة على الساحل الغربي لليمن رفعت مستوى القلق حول باب المندب.

فالأمم المتحدة أكدت أمام مجلس الأمن أن الوضع في المضيق ومحيطه أصبح أكثر تقلبًا، مع اشتداد القتال على الساحل الغربي لليمن وتقدم الحوثيين باتجاه باب المندب والسيطرة، وفق التقارير التي استندت إليها الأمم المتحدة، على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر.

ورغم أن الأمم المتحدة أشارت في 15 سبتمبر إلى أن حركة الشحن التجاري في البحر الأحمر لم تكن قد تأثرت بصورة جوهرية في ذلك الوقت، فإنها حذرت بوضوح من مخاطر استمرار التصعيد، وطالبت باحترام حقوق وحريات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وفق القانون الدولي.

وهنا تكمن أهمية المسألة بالنسبة للسعودية.

فباب المندب ليس نقطة جغرافية بعيدة عن أمنها الوطني، بل جزء من منظومة بحرية مترابطة تبدأ من سواحل اليمن وتمتد عبر البحر الأحمر إلى الموانئ السعودية ثم قناة السويس.

وأي اضطراب طويل في هذه المنطقة لا يبقى محصورًا داخل اليمن؛ بل يمكن أن يمتد أثره إلى التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.

السعودية.. السلام لا يعني التخلي عن الردع

الموقف السعودي خلال الأزمة حافظ على خطين متوازيين.

الأول هو التأكيد على أولوية الحل السياسي ودعم الجهود الأممية للوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة للأزمة اليمنية.

والثاني هو التأكيد على حق السعودية في حماية أراضيها ومواطنيها ومقدراتها من أي تهديد.

وفي جلسة مجلس الأمن الأخيرة، ربط المندوب السعودي بصورة مباشرة بين الهجمات الحوثية التي استهدفت مدنًا ومنشآت داخل السعودية وبين استهداف السفن وتهديد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

وأشار إلى أن الهجمات التي تجددت في 17 سبتمبر واستهدفت خميس مشيط والطائف وأبها أدت، وفق المداخلة السعودية أمام المجلس، إلى إصابة 13 مدنيًا وأضرار في منازل ومركبات، وجاءت بالتزامن مع استهداف السفن والملاحة البحرية.

وهنا تغيرت طبيعة القضية.

فالتصعيد لم يعد يُقرأ فقط باعتباره تهديدًا لأمن السعودية، وإنما باعتباره تهديدًا لممر دولي تمر عبره مصالح دول عديدة.

مجلس الأمن يدخل على خط الأزمة

وجاء التطور الدولي الأبرز في 19 سبتمبر، عندما أدان أعضاء مجلس الأمن بأشد العبارات الهجمات المستمرة التي يشنها الحوثيون على السعودية، بما في ذلك الهجمات التي ألحقت أضرارًا بالمدنيين والبنية التحتية للطاقة وأوقعت إصابات بين المدنيين، بينهم نساء وأطفال.

وأكد أعضاء المجلس تضامنهم مع السعودية في مواجهة الهجمات التي تستهدف المدنيين والأعيان المدنية، وأكدوا حقها الأصيل في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي.

كما جدد المجلس إدانته للتهديدات والهجمات التي تستهدف الملاحة التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وشدد على أهمية الحفاظ على سلامة السفن التجارية وأطقمها.

وهذه النقطة مهمة في قراءة ما يحدث.

فالمسألة تنتقل تدريجيًا من كونها مواجهة أمنية تخص دول المنطقة إلى قضية تمس أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وكانت السعودية قد أكدت أمام مجلس الأمن أن تهديد باب المندب والملاحة الدولية يتجاوز دول المنطقة، وأن حماية الممرات البحرية والتجارة العالمية تستدعي موقفًا دوليًا يتناسب مع حجم الخطر.

من باب المندب إلى قناة السويس

وهنا تعود أهمية لقاء محمد بن سلمان والسيسي في القاهرة.

فالسعودية ومصر تنظران إلى البحر الأحمر من موقعين جغرافيين مختلفين، لكنهما تتقاطعان عند مصلحة استراتيجية واحدة.

في الجنوب يقع باب المندب.

وفي الشمال تقع قناة السويس.

وبينهما يمتد البحر الأحمر بوصفه شريانًا للتجارة والطاقة وحركة السفن بين آسيا وأوروبا.

ولهذا فإن أي تهديد مستدام لباب المندب لا يمكن فصله اقتصاديًا وأمنيًا عن قناة السويس، كما أن أمن الموانئ والسواحل السعودية لا يمكن النظر إليه بمعزل عن استقرار هذا الممر البحري بأكمله.

ومن هنا جاء تشديد الرياض والقاهرة خلال لقاء 15 سبتمبر على ضمان أمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وعلى تنسيق المواقف تجاه التحديات الإقليمية.

لماذا القاهرة الآن؟

توقيت اللقاء ربما يكون أحد أهم عناصره.

فهو جاء في وقت تتقاطع فيه عدة ملفات في مساحة جغرافية واحدة: اليمن، والبحر الأحمر، وباب المندب، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، وقناة السويس.

ولذلك لم يكن التنسيق السعودي المصري مجرد مسألة علاقات ثنائية، بل جزءًا من محاولة أوسع لمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة اضطراب طويلة الأمد.

فالرياض تمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، فيما تمثل قناة السويس بالنسبة لمصر والعالم أحد أهم شرايين التجارة الدولية.

وعندما تتعرض نقطة الدخول الجنوبية لهذا الشريان للتهديد، يصبح التنسيق بين الدولتين أكثر ارتباطًا بالمصلحة المباشرة لكل منهما.

شبكة شراكات لا مسار واحد

المشهد الذي تشكل خلال الأيام التالية للقاء القاهرة يكشف أن المقاربة السعودية لا تعتمد مسارًا منفردًا.

فهناك تنسيق مع مصر، ودعم للحكومة اليمنية، وتحرك داخل المؤسسات الدولية، وتعاون في مجال الأمن البحري، بالتوازي مع الإبقاء على المسار السياسي لإنهاء الأزمة اليمنية.

وقد تحدثت السعودية أمام مجلس الأمن أيضًا عن العمل على تفعيل تعاون متعدد الأطراف لتعزيز الأمن البحري وحماية الممرات، بما يشمل باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وضمان استمرار التجارة الدولية وعدم تعطيل سلاسل الإمداد.

وهذا يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الأزمة:

التهديد محلي في نقطة انطلاقه، لكنه إقليمي في امتداده ودولي في آثاره.

الردع أم التسوية؟

ليس من الدقة القول إن المنطقة تقف أمام خيار واحد بين الحرب والسلام.

المعادلة أكثر تعقيدًا.

السعودية تؤكد تمسكها بالحل السياسي في اليمن، لكنها في الوقت نفسه تؤكد حقها في الدفاع عن أمنها.

والأمم المتحدة تحذر من التصعيد وتدعو الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى المسار السياسي، بينما يزداد القلق الدولي من تأثير استمرار التوتر على الملاحة والتجارة والطاقة.

وهذا يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على الجمع بين أمرين: منع فرض واقع جديد بالقوة في باب المندب، ومنع الانزلاق في الوقت نفسه إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

ما بعد القاهرة

ربما تكمن أهم دلالة لما حدث منذ لقاء محمد بن سلمان والسيسي في أن أمن البحر الأحمر لم يعد ملفًا يمكن تقسيمه إلى أزمات منفصلة.

اليمن جزء منه.

وباب المندب جزء منه.

والسواحل والموانئ السعودية جزء منه.

وقناة السويس جزء منه.

والتجارة الدولية جزء منه أيضًا.

ولهذا فإن السؤال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: ماذا سيحدث في باب المندب؟

بل:

هل تستطيع شبكة التعاون الإقليمي والدولي أن تحول دون تحول المضيق إلى نقطة اشتعال دائمة، وأن تعيد تثبيت حرية الملاحة باعتبارها مصلحة مشتركة لا يجوز استخدامها أداةً للصراع؟

الإجابة ما زالت قيد التشكل.

لكن التطورات حتى مساء 19 سبتمبر تشير إلى أن الأزمة تجاوزت حدود اليمن، وأن البحر الأحمر أصبح بصورة متزايدة ملفًا تتداخل فيه حسابات الأمن الوطني السعودي والمصري مع مسؤولية المجتمع الدولي عن حماية الملاحة والتجارة.

وفي قلب هذه المعادلة تقف السعودية ومصر أمام حقيقة جغرافية لا تتغير:

من باب المندب إلى قناة السويس، البحر واحد، والممر واحد، وأمنه لا يمكن تجزئته.

رفعت للتصميم