
أدب الحرية: المفهوم والمصطلح و الأبعاد
أدب الحرية: المفهوم والمصطلح و الأبعاد
فراشة حجم محمد/ فلسطين
الجزء الثالث
على الصعيد الشخصي فقد اشتغلت كثيراً على تثبيت مصطلح “أدب الحرية” من خلال العديد من الموادّ والكتب المنشورة، وربطت بين جودة النص الأدبي وبوين السياق النضالي للكاتب، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وقدمت مساهمات تأسيسية في هذا المجال بدءا من إفراد فصل خاص بعنوان “من داخل السجن” في كتاب “ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد” (2019)، حيث ناقشت “التمرد بالكتابة واختلاق أفق متسع للحرية”، فالكتابة هي العمل المقاوم الذي يقوم به الكتاب الأسرى داحل السجن، فتناولت “الجلسات التثقيفية داخل المعتقلات”، وناقشت مجموعة من كتب الأسرى الفلسطينيين.
ثم أصدرت كتاب “تصدع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة” (2023)، المخصص بالكامل للبحث في أدب الأسرى، وتابعت فيه ما بذلته من جهد بحثي طويل امتدّ لسنوات للإحاطة بأدب الحرية في سجون الاحتلال، من أجل فهم ماهية الكتابة خلف القضبان، وطرحت فيه تساؤلات حول الجدوى والمغزى من الكتابة في ظل ظروف القهر المطلق، ورأيت أن الكتابة هي الوسيلة التي يثبت من خلالها الأسير أنه موجود وحي، وهي الأداة الفعّالة ليكون واحداً من الناس الفاعلين على الأرض خارج أسوار السجن.
وخصصت الكتاب الثالث “الأسوار والكلمات- عن أدب باسم خندقجي” (2025)، بأدب باسم خندقجي سرداً وشعراً، وحاولت فيه فك شيفرات أدب المقاومة من خلال بحث “أدب الحرية”، وسعيت لأثبت في الكتاب أن القلم أقوى من أسوار السجن وظلامه، مؤكداً مكانة خندقجي الإبداعية التي لا يمكن تجاهلها، وأن الكتابة في السجن ضرورة بيولوجية ونفسية للأسير، وأن هذا الأدب يستحق الدراسة المعمقة كأدب أصيل ومكتمل الأركان الفنية.
كما يبرز اسم المحامي والكاتب حسن عبادي الذي وضع كتاب “احتمالات بيضاء: قراءات في أدب الحرية الفلسطيني” (2025)، وفيه يحلل أكثر من ستين كتاباً للأسرى، مؤكداً فلسفة التحدي الكامنة فيها، كما يلعب عبادي دوراً محورياً في هذا السياق من خلال مشروعه التوثيقي في كتاب “الكتابة على ضوء شمعة” (2022)، وكتاب “يوميات الزيارة والمزور- متنفس عبر القضبان” (2024) وكتاب “زهرات في قلب الجحيم” (2024)، حيث يحرص على رعاية مخطوطات الأسرى ونشرها، معتبراً إياها “نطفاً محررة” ورموزاً للأمل المستمر، هذا الحراك النقدي يعكس وعياً جديداً بضرورة تجاوز الأطر الضيقة للنقد التضامني العاطفي نحو تحليل فني وفلسفي عميق يضع أدب الأسرى في مكانه الطبيعي ضمن المشهد الثقافي العربي والعالمي.
ومن الجهود النقدية التي لا بد من الإشارة إليها، جهود الناقد الفلسطيني رائد الحواري الذي درس في عدة كتب ومقالات هذه الظاهرة عند الكتاب الفلسطينيين والعرب، كما في كتاب “إضاءات على رواية المعتقلين الأدباء” (2018)، وكتاب “إضاءات على إبداعات كميل أبو حنيش” (2021)، وكتاب “السجون والمعتقلات في الرواية العربية” (2023)، عدا المقالات الأخرى غير المجموعة في كتب وتناولت أعمال كتاب آخرين كتبوا عن السجن ومن السجن، وفي كل هذه الكتابات لا تغيب عن بال الحواري وهو يحلل تلك الأعمال الأدبية ثيمات الصمود والتحدي والحرية والأمل، وإن انحاز- عملاً بالرائج- إلى مصطلح أدب السجون.
وصدر مؤخراً كتاب “قراءة نقديّة في نصوص وروايات فلسطينيّة، إطلالة على أدب الحريّة” (2026) للكاتب الفلسطيني مصطفى عبد الفتاح، وكما هو واضح يتعمّد المؤلف أن يؤطّر قراءاته النقدية في العنوان الفرعي للكتاب داخل إطار مفهوم “أدب الحرية”، وجاء فيه: “نشأ أدب الحرية بوصفه أحد أشكال التعبيـر الأدبي الأكثر التحاما بالواقع النضالي لشعب يرزح تحت وطأة الاحتلال، لم يكن هذا الأدب مجرد كتابة عن تجربة السجن أو واقع الحال فيما يعانيه ويكابده الكاتب خلف القضبان فقط، بل كتابة من داخل السجن في مواجهة القمع والطمس السلطوي التي يحاول الاحتلال من خلالها إسكات الأسير ونزع إنسانيته وتجريده من إحساسه ووعيه لواقع شعبه، لذلك جاء هذا الأدب كفعل مقاوم، يعيد للأسير هویته کإنسان مقاوم وكأديب مبدع يعبر عن ذاته وعن هويته وعن طموحات شعبه وتحرره”.
وأما على صعيد الفعل الإبداعي فتزخر المكتبة الفلسطينية بأعمال إبداعية شكلت ركائز لمفهوم “أدب الحرية”، هؤلاء الكتاب لم يكتفوا بنقل تجربتهم، بل طوروا أدوات سردية وشعرية فريدة جعلت من نتاجهم علامات فارقة في تاريخ الأدب المقاوم، وأبرز الكتّاب والأعمال الإبداعية في “أدب الحرية” أذكر منهم الكاتب والأسير وليد الهودلي في روايته “ستائر العتمة” (2001)، إذ يلمس الباحث تباشير الريادة في تحويل تجربة الاعتقال إلى سرد روائي واقعي يمزج بين البُعد الوطني والروحاني، ولا يستسلم لليأس بأي حال من الأحوال، بل إنه يؤسس لفكرة كيفية مقاومة الأجيال الجديدة الداخلة إلى سجون الاحتلال السجان والعصافير ويعرفهم بأساليب التحقيق وكيفية مواجهتها، ثم تلتها مجموعته القصصية “مجد على بوابة الحرية” (2003) التي تسلط الضوء على تجربة الأسر في سجون الاحتلال، وتعد جزءاً بارزاً من الأدب الذي يجسد صمود وتضحيات الأسرى الفلسطينيين، وقد جعل في العنوان لفظ الحرية بديلاً عن السجن، تأكيداً منه لهذا الأفق من التفكير الواعي، كما أن الكاتب يواصل هذا النفس الإيجابي في إصداره الأخير “الغرفة الزهراء” (2025) الذي أصدره ليتحدث عن واقع الأسرى الفلسطينيين خلال حرب الإبادة الجماعية، وعلى الرغم من أنه كان واقعاً مأساوياً إلا أنه يجد التفاؤل في عمق هذا الواقع فانحاز إلى وصف تلك الزنزانة بأنها “الزهراء” ، “ليُسجل بذلك معنى آخر للزنزانة، حيث لا تعد المكان الذي يتم فيه “حبس” الثوار، بل هي المكان الذي يُخلق فيه الوعي الثوري، ويزدهر فيه الفكر المقاوم”. (القدس العربي، 24/4/2025)
وللشهيد الكاتب وليد دقة- رحمه الله- مساهمة فعالة في ترسيخ حقيقة “أدب الحرية” من خلال أعماله المهمة المقاومة: “صهر الوعي” (2011)، و”حكاية سر الزيت” (2018)، و”حكاية سر السيف” (2021)، ويتميّـز أدب دقة بأنه يسعى إلى تقديم أدب لليافعين ينطلق من خلف القضبان، وصياغة مفاهيم فلسفية .مواجهة سياسات القمع، وتقوم الحكايتان على فكرة الحرية وكيفية تحققها، ويلمس فيهما القارئ تلك الأبعاد التي يقوم عليها “أدب الحرية” المذكورة أعلاه، وأهمها تأكيد فكرة الحرية ومقاومة المنع بأي طريقة ممكنة ولو كانت بالفنتازيا والتصور الذهني المجرّد.
كما تبرز مساهمة الأسيرة المحررة الكاتبة عائشة عودة في كتابيها التوثيقيين”أحلام بالحرية” (2004)، و”ثمناً للشمس” (2012)، علماً أن الكاتبة تجنح في الكتابين إلى توثيق تجربة الأسيرات الفلسطينيات وتسليط الضوء على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للأسر، إلا أنها لم تكتب للتعبير عن شعورها باليأس، وإنما كتبت لشعورها بالحرية، ويكفي للدلالة على ذلك تأمّل دلالة العنوان في الكتابين، وقد حاز الكتابان اهتماماً نقدياً واضحاً.
ومن أبرز الكتاب الذين كتبوا داخل السجون الكاتب والأسير المحرر باسم خندقجي، فمدونته السردية تعتمد في عمقها على مفهوم “أدب الحرية”، ومن رواياته “مسك الكفاية- سيرة سيدة الظلال الحرة” (2014)، و”نرجس العزلة” (2017)، و”ثلاثية المرايا: قناع بلون السماء (2023)، وسادن المحرقة (2025)، وفراشات مريم الجليلية (2026)”، وقد انحاز خندقجي إلى الرواية ذات النفس الطويل، واستخدام الذاكرة والتاريخ لمساءلة الذات والواقع، متجنباً عن عمد الوقوع في فخّ “أدب السجون” التقليدي لأنه يرى أن هذا الأدب قد استنفد مضامينه، ويضع الكاتب تحت رحمة التعاطف مع الكاتب كونه أسيراً، بل إن باسماً يصف القراءة والكتابة بأنهما “فعل مقاوم وفعل من أجل التحرر،… ولكن التحرر المجازي أو الحرية المجازية كانت تتحقق أثناء فعل الكتابة”. (بودكاست الحل إيه؟/ 10/4/2026).
لم تكن الأعمال السابقة إلا نماذج مختارة، أستشهد فيها متتبعاً مسيرتها التاريخية، ليس لها أفضلية على غيرها، وتشترك مع أعمال كثيرة أخرى كنت قد درستُها أو توقفت عندها في دراساتي ذات العلاقة، ويبدو جلياً من خلال تلك الكتابات جميعها، أن الكتّاب الأسرى ابتكروا في كتاباتهم لغة رمزية فريدة تعكس خصوصية تجربتهم وتحديهم للسجان، وعملت هذه الرموز كأدوات فعلية مكنت النص من الحيوية في التلقي القرائي والنقدي؛ لأنها كانت تتمتع بدرجة عالية من النضج الفني، ولم تكتب تحت ضغط التأثير الانفعالي العاطفي، ولم يرد لها أن تجد حياتها ضمن هذا التأثير الوجداني اللحظي.
ومع ذلك، فإن تلك الأعمال الأدبية تتجاوز أهميتها في حياة الأسير حدود الإبداع الفني لتصل إلى مرتبة “الضرورة البيولوجية والنفسية”، فالكتابة تمثل للأسير استعادة الكينونة بالخروج من ضيق الزنزانة إلى رحابة المتخيل، فعبر كلماته، يتحول الأسير إلى عصفور، أو بحر، أو غيمة، أو وردة، وبالكتابة يتم التواصل مع العالم لكسر العزلة التي يفرضها السجان.
هذا النوع من الأدب يمنح الإنسانية فرصة لتعيد النظر في أفكارها حول السلطة والقوة، ويوضح “أدب الحرية” أن القوة الحقيقية ليست في السلاح ولا في القمع، بل في القدرة على بقاء الروح حية رغم الظروف القاسية، ولهذا السبب، يبقى الأسرى المبدعون حاضرين رغم سنوات الاعتقال الطويلة، تماماً كما بقي لوركا خالداً رغم إعدامه.
أطمح أن يصل مصطلح “أدب الحرية” إلى مرحلة الاستقرار النقدي، إذ بدأت هذه المسيرة مع “أدب السجون” التقليدي الذي كان يغلب عليه الطابع التوثيقي والمظلومية، ومع تطور الحركة الأسيرة الفلسطينية، وتحولها إلى “أكاديميات” شكّلت “حلقات تحرر معرفي” كما سمّاها خندقجي، هذه الحلقات التي تمتد إلى أربع ساعات ” كانت بمثابة انتصار مجازي على هذا الآخر الصهيوني/ السجان” (بودكاست الحل إيه؟/ ذُكر سابقاً)، وبذلك بدأ الإنتاج الأدبي يأخذ منحىً جمالياً ومعرفياً وإنسانياً أعمق من ذي قبل.
اليوم- وبفضل كل هذه الجهود- صار المصطلح ينحاز إلى فكرة “الحرية” كفعل مستقبلي وليس كحالة مفقودة، إن تثبيت هذا المصطلح في الأدبيات الجديدة لأدب المقاومة الفلسطيني يعني الاعتراف بأن الأسير الفلسطيني هو “ذات فاعلة” وليس موضوع معاناة تستدعي الشفقة والعطف، هذا التحول النقدي يسهم في بناء سردية فلسطينية قوية قادرة على مواجهة الرواية الصهيونية وهي عنصر فعّال في بناء الشخصية الفلسطينية المقاومة.
إن مسيرة مصطلح “أدب الحرية” هي انعكاس لمسيرة الشعب الفلسطيني نحو الخلاص، ولقد أثبتت هذه الحيوية الإبداعية والتفاعلية النقدية، وبالاستناد إلى كثير من المواد الغنية التي قدمها كثيرون، أن الانتقال من مفهوم “أدب السجون” إلى “أدب الحرية” هو ضرورة نضالية ومعرفية تهدف إلى تحرير النص والمبدع من قيود الضحية نحو رحابة الفعل التاريخي، وبالتالي فإنني أؤكد جملة من القضايا المتصلة بهذا المصطلح لترسيخه وإعطائه شرعية مصطلحية معتبرة ومستقرة:
أولاً، يجب تأكيد أن “أدب الحرية” هو فعل وجودي يثبت حضور الإنسان الفلسطيني في وجه محاولات الإلغاء والإحلال، فثنائية الذات والآخر تصبح أعمق معنى ضمن هذا الأدب، لأن المسافة تتسع بين الطرفين، وكلما اتسعت المسافة صار النقيض أوضح.
ثانياً، هذا الأدب هو الامتداد الحي لأدب المقاومة الذي أسسه كنفاني، وهو يمثل اليوم رأس الحربة في مواجهة الرواية المزيفة للاحتلال.
ثالثاً، الدور الذي يقوم به النقاد والباحثون في تثبيت المصطلح ومنح إبداعات الأسرى حقها من الدراسة والتحليل دور مكمل لفعل المقاومة على الأرض، ويواكب ما يقوم به الكتّاب الأسرى والمحررون من فعل إبداعي يرسخ أبعاد هذا الأدب.
رابعاً، تظل الكتابة في السجن معادلة موضوعية للحرية، فبينما يمسك السجان بالمفتاح، يمسك الأسير بالقلم الذي يفتح له أبواب العالم والخلود، وحتى لا يُمنح هذا السجّان فرصة السيطرة على الأسير الكاتب، عليه أن يكسر- مجازياً- جدرانه ليرى ويعيش الحالة بكامل تجلياتها كأنه خارج تلك الأسوار.
إن “أدب الحرية” هو نشيد للروح الإنسانية التي ترفض الانكسار، وشهادة حية على أن الليل زائل، وأن فجر الحرية آتٍ لا محالة، ليس فقط بوعود السياسة، بل بقوة الكلمة التي لا تموت أبداً، وإنّ ترسيخ هذا المفهوم حق ثقافي مكتسب بالرؤية الصائبة للمشتغلين به لضمان بقاء السردية الفلسطينية .











