الشّعراء ومهنة ترك العالم

الشّعراء ومهنة ترك العالم

 

يرحلُ الشّعراءُ

كما لو أنَّ شيئاً خفيّاً في الهواء ينطفئ فجأة

لا صوتَ لارتطام الغياب

ولا علامةً تُنذر بأنَّ ما كان ممتلئاً

صار فجوة

يرحلون

فتصبح اللّغةُ أقلَّ يقيناً وأكثر ارتباكاً

كأنَّ الكلمات فقدتْ مرشدها

الّذي كان يعرف كيف يُعيد ترتيب الفوضى

في داخل المعنى

كانوا يمشون بيننا

كأنّهم يجرّبون احتمالاً آخر للعالم

يُصغون لما لا نلتفت إليه

ويمنحون الهامشَ حقَّ الكلام

ويكتبون على حوافّ الأشياء ما عجزتْ الأشياءُ عن قوله

وحين يغيبون

لا يغيب جسدٌ فقط

بل تنسحب طريقةُ النّظر

وتبهت تلك القدرة الغامضة على رؤية ما وراء الظّاهر

يصبح الواقعُ أكثر صلابة

وأقلَّ رحمةً بالخيال

وتصير التّفاصيل الصّغيرة مجرّد تفاصيل

لا تنجو من العابرين

يرحل الشّعراء

ويتركون وراءهم نصوصاً

تشبه خرائط بلا وجهة

نقرأها لنطمئنُ ثمّ نكتشف أنّنا ضِعنا أكثر

كانوا يمارسون مهنةً غريبة

مهنةَ جعل العالم أقلَّ قسوة

دون أن يغيّروا شكله

فقط عبر إصغاءٍ أعمق

وكلمةٍ تُقال في اللّحظة الّتي نحتاجها

ولا نعرف كيف نقولها

وحين يغيبون

نفقد أولئك الّذين كانوا يفسّرون لنا أنفسنا

حين نعجز عن الفهم

ونفقد من كانوا يعيدون ترتيب حزننا

حتُى يصبح قابلاً للعيش

لا يرحلون دفعةً واحدة

بل يتسلّل غيابهم ببطء

في اللّغة أولاً

ثمّ في الذّاكرة

ثمّ في الطّريقة الّتي نرى بها العالم

ويبقى السّؤال معلّقاً

في مساحةٍ لا يجيب عنها أحد

هل كانوا يكتبون لأنّهم مختلفون

أم لأنّ العالم كان ناقصاً

ويحتاج من يكمّله بالاحتمال؟

يرحل الشّعراء

لكن ما لا يُحتمل حقّاً

ليس غيابهم…

بل ذلك الصّمت الّذي يخلّفونه في أعماق الأشياء

صمتٌ يشبه انطفاء مدينةٍ كاملةٍ فجأة

من دون إنذار

كأنّ الحياة نفسها فقدتْ صوتها في لحظة واحدة

تصحو القصائد بعدهم يتيمةً

تبحث عن صدورٍ جديدة

ولا تجد

فتعود لتنزف على الورق

بلا قارئٍ يشبههم

وحين نحاول أن نكتب بعدهم

نكتشف أنّ اليدَ ترتجف

أنّ اللّغةَ فقدت يقينها

أنّ المعنى صار حفرةً مفتوحة

تبتلع كلّ ما نحاول قوله

يرحل الشّعراء

فيترك بعضهم فينا ندبةً لا تُشفى

وبعضهم جرحاً لا يُغلق

وبعضهم فراغاً

كلّما حاولنا لمسه صرنا نحن من يبكي

ويمضي العالم بعدهم

لكنّه لا يمضي كما كان

يمضي ناقصاً مكسوراً من الدّاخل

كأنّ شيئاً جوهريّاً فيه انطفأ إلى الأبد

ولم يعد أحد يعرف

كيف يُشعلُه من جديد.

 

مهاب خيري الجمال

سوهاج 3 مايو 2026