هِيَ الَّتِي تُضِيءُ

هِيَ الَّتِي تُضِيءُ نَفْسَهَا
فِي ارْتِعَاشِ الْبِدَايَاتِ،
حِينَ لَا يَكُونُ لِلِاسْمِ ظِلٌّ ثَابِتٌ،
كَانَتْ تَمْشِي
كَأَنَّ الْأَرْضَ تُعَادُ كِتَابَتُهَا تَحْتَ خُطَاهَا.
لَا تُجِيدُ تَفْسِيرَ الرَّجْفَةِ،
وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالصَّدَى،
لَكِنَّهَا—بِطَرِيقَتِهَا الْغَامِضَةِ—
كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ فِي دَاخِلِهَا
شَيْئًا لَا يُرَوَّضُ.
قَالُوا:
إِنَّ الطَّرِيقَ طَوِيلٌ،
وَأَنَّ الرِّيحَ لَا تُصَافِحُ الضُّعَفَاءَ،
فَابْتَسَمَتْ
كَمَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ
لُغَةَ الْخَوْفِ.
كَانَتْ تَرَى الْبَعِيدَ
قَرِيبًا بِمَا يَكْفِي لِلْحُلْمِ،
وَتَرَى الْحُلْمَ
حَقِيقَةً مُؤَجَّلَةً
لَا تَحْتَاجُ إِذْنًا لِتُولَدَ.
وَحِينَ لَامَسَتْ أَوَّلَ انْكِسَارٍ،
لَمْ تَبْكِ كَثِيرًا،
فَالْجُرُوحُ الصَّغِيرَةُ
تَفْتَحُ فِي الرُّوحِ
نَوَافِذَ خَفِيَّةً.
تَعَلَّمَتْ
أَنَّ السُّقُوطَ لَيْسَ نِهَايَةَ الْحِكَايَةِ،
بَلْ أَوَّلُ حَرْفٍ
فِي اسْمٍ جَدِيدٍ.
لَمْ تُصَدِّقِ الْأَسْوَارَ،
وَلَا اقْتَنَعَتْ بِأَنَّ الْحُبَّ
شَيْءٌ يُخَبَّأُ خَلْفَ الْأَقْفَالِ،
كَانَتْ تُؤْمِنُ
أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا ضَاقَ
اخْتَنَقَ بِنَفْسِهِ.
فَمَضَتْ،
لَا تَحْمِلُ سِوَى يَقِينٍ هَشٍّ،
لَكِنَّهُ كَانَ كَافِيًا
لِيُضِيءَ لَهَا الطَّرِيقَ.
وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ،
كَانَتْ تَتَخَفَّفُ
مِنْ ظِلٍّ قَدِيمٍ،
وَمِنْ صَوْتٍ لَا يُشْبِهُهَا.
حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ
حَافَّةَ مَا تَظُنُّهُ نِهَايَةً،
اِكْتَشَفَتْ—بِدَهْشَةٍ هَادِئَةٍ—
أَنَّهَا
لَمْ تَكُنْ تَبْحَثُ عَنِ الضَّوْءِ،
بَلْ كَانَتْ
تَتَعَلَّمُ
كَيْفَ تكونه

بقلم الشاعر
مؤ يد نجم حنون طاهر
العراق