عاشقُ الأرض … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 25 )
بقلم : زياد أبوصالح/ فلسطين 🇵🇸
كان أبو سمير رجلاً يندر أن يجتمع في شخصٍ واحدٍ مثل ما اجتمع فيه من خصال. نِعم الأب كان، ونِعم المربي، ونِعم الفلاح. عرفه الناس بصدق الكلمة، ونظافة اليد، وقلبٍ لا يحمل ضغينة لأحد. كان بيته مفتوحاً للقريب والغريب، وكأن بابه لا يعرف الإغلاق. ولم يكن مجرد معلمٍ أو فلاحٍ بسيط، بل كان عموداً من أعمدة العائلة، وسنداً لكل محتاج؛ لذلك أحبه الصغير قبل الكبير ، لأنه كان لا يفرق بين ابنه وابن جاره ، ولا بين حبة تراب وحبة قمح .
كانت علاقته بالأرض علاقة روحٍ بجسد. قضى معظم عمره يغرس في الأرض حباً ، وفي القلوب علماً ، مؤمناً أن الأرض لا تخون من يخلص لها. زرع الزيتون بيديه، وكان يعرف كل شبرٍ من أرضه كما يعرف كفّه. يقف أمام شجراته طويلاً، كأن بينه وبينها لغة خفية لا يفهمها إلا من سقاها بعرقه.
وعلى قدر حبه للأرض، كان حبه للناس. خفيف الظل، طيب الخصال، أنيس المجلس، سبّاقاً إلى الخير، وفارساً في العلم والتقوى. شارك مع رفاقه في بناء مؤسسات البلدة، فشيدوا المدارس، وفتحوا الطرق الترابية إلى البراري، واستصلحوا الأراضي، وحافظوا على المحميات الطبيعية، وسعوا إلى إيصال الماء والكهرباء إلى البيوت. كان يرى في خدمة البلدة واجباً لا منّة فيه.
أما في المدرسة، فكان أباً قبل أن يكون معلماً. كان يعامل طلابه بحنانٍ صادق، وكثيراً ما مدّ يده إلى جيبه ليعين طالباً محتاجاً دون أن يشعر أحد. وكان شديد الحرص على ألا يضيع طالب من بين يديه، حتى إنه كان يذهب بنفسه إلى البراري أيام الحصاد ليعيد بعض الطلبة الذين غابوا لمساعدة أهاليهم في الحقول.
وفي صبيحة يوم خريفي ، بينما كانت الشمس تلامس سور المدرسة ، لمح طالباً صغيراً يقف خلف سيارة في ساحة المدرسة، يبكي بحرقة. اقترب منه وسأله بلطف:” ما بك يا بني؟ ”
قال الصبي وهو يمسح دموعه: “طردني المعلم من الرحلة… دفعت عشرين قرشاً، وبقي علي خمسة قروش لا أعرف كيف آتي بها ” .
ابتسم أبو سمير ابتسامة أبوية، وقال لزميله المعلم: “سجّل اسمه مع الطلاب”. ثم أخرج خمسة القروش من جيبه، ودفعها عنه. كانت خمسة قروش فقط، لكنها يومها كانت عالماً كاملاً من الفرح في قلب طفلٍ بريء، حيث ركض الصغير نحو طابور الرحلة ، وكأنه يركض نحو حلم لا يصدقه .أما أبو سمير ، فعاد إلى صفه يكمل درس النحو ، وكأن شيئاً لم يكن .
مرت الأعوام…وكبر الطفل . وفي تسعينيات القرن الماضي، ذهب أبو سمير إلى أحد كبار تجار المجوهرات ليطلب منه التبرع لبناء مدرسة للبنات في البلدة. كان التاجر معروفاً بثروته الواسعة وسمعته الطيبة.
جلس أبو سمير معه، وبعد حديثٍ لطيف قال ممازحاً: ” يبدو أنني ما زلت أطالبك بخمسة القروش التي دفعتها عنك يوماً “!
ابتسم الرجل ابتسامة عميقة، وقال: “أعرف مغزاك يا أستاذي… أمهلني بضعة أيام فقط لأصلي صلاة الاستخارة، ثم أتصل بك” .
لم يطل الانتظار ، بعد أيام عاد الرجل يحمل حقيبة ، وفيها تبرع بدل الخمسة قروش : خمسون ألف دينار أردني . قالها ببساطة :” من يرد جميلاً لا ينتظر شكراً” ، ورفض أن يأخذ وصلاً بالمبلغ، قائلاً: ” هذا لله… ولأستاذي الذي لم ينسَني يوماً”.
ومات أبو سمير كما يموت النخيل : شامخاً ، معطاءً ، تاركاً في الأرض ظلالاً لا تموت . ففي يوم جنازته خرجت البلدة كلها تشيّعه؛ رجالاً ونساءً، شيوخاً وشباباً. كان المشهد أشبه بموكب وفاءٍ طويل لرجلٍ عاش للناس والأرض.
رحل الجسد، لكن الأثر بقي. حيث سارع أبناؤه بعد وفاته إلى بناء مسجد يحمل اسمه، لتبقى صدقته تجري في الدنيا كما تجري روحه في الجنة .
وهكذا ظل أبو سمير حاضراً بين الناس… في شجرة زيتون غرسها، وفي طريقٍ فتحه، وفي طالبٍ علمه، وفي مدرسةٍ قامت بفضل خيرٍ زرعه في قلب طفلٍ صغير. فالنخيل…إن مات، فإن ظله لا يموت.



































