الكاتب الحقيقي لا يجلس على برج عاجي
بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان: مهدي الطائي
(الكاتب الذي يعلو على الناس يفقد صوته، أما الذي يصغي إليهم فيكتب ما يبقى)
ليس أخطر على الأدب من الكاتب الذي يظن أنه بلغ الكمال. فحين تتحول الكتابة إلى شعور بالتفوق، تفقد الكلمة روحها، ويتحول النص من مساحة للحوار إلى منصة للوعظ. إن الأدب الحقيقي لم يكن يوماً سلطة يمارسها الكاتب على الآخرين، بل تجربة إنسانية مشتركة يتعلم فيها الكاتب بقدر ما يعلّم، ويصغي بقدر ما يكتب.
في المشهد الأدبي كثيراً ما يقال إن بعض الكتّاب يعيشون في برجٍ عاجي؛ تلك الاستعارة التي تصف الكاتب الذي يعزل نفسه عن الآخرين، ويتعامل مع الكلمة وكأنها امتياز خاص لا يملكه سواه. غير أن التجربة الإنسانية، كما يثبت تاريخ الأدب، تقول شيئاً مختلفاً تماماً: الكاتب الحقيقي لا يجلس على برج عاجي، بل يسير بين الناس ويتعلم منهم بقدر ما يكتب لهم.
فالكتابة في جوهرها ليست إعلاناً للتفوّق، بل محاولة دائمة لفهم العالم. الكاتب لا يكتب لأنه امتلك الحقيقة، بل لأنه يبحث عنها. وكل نص يولد من تفاعل طويل بين التجربة الإنسانية والتأمل الداخلي، بين ما يراه الإنسان في ذاته وما يكتشفه في الآخرين.
ولهذا كان كبار المبدعين أكثر تواضعاً أمام الكلمة. كانوا يدركون أن اللغة بحر لا يمكن الإحاطة به، وأن المعنى أوسع من أن يُحتكر. لذلك نظروا إلى الكتابة باعتبارها رحلة معرفة لا منصة استعراض.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الكاتب هو وهم الاكتمال. فحين يظن الإنسان أنه بلغ الذروة يتوقف نموه الإبداعي دون أن يشعر. الإبداع بطبيعته لا يعيش في أرض اليقين المطلق، بل ينمو في مساحة الشك والأسئلة المفتوحة. وكل نص جديد ليس إلا خطوة أخرى في طريق طويل من التعلم والاكتشاف.
وفي هذا السياق يكتسب النقد الأدبي أهميته الحقيقية. فالنقد ليس خصومة بين الكتّاب، ولا هو مقدسا ولا ساحة لتصفية الحسابات، بل هو حوار فكري يضيء جوانب النص المختلفة. الكاتب الذي يستمع إلى النقد بروح منفتحة يكتشف أبعاداً جديدة في كتابته، بينما الذي يرفضه ويضيق به يحرم نفسه من أهم أبواب التطور.
إن تواضع الكاتب لا يعني ضعفاً في الشخصية ولا تراجعاً عن الرأي، بل هو علامة نضج فكري وإنساني. فالمبدع الحقيقي يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الأدب فضاء للتواصل لا للتعالي. وكلما اقترب الكاتب من الناس وشاركهم همومهم وأسئلتهم، ازداد أدبه حياة وصدقاً.
أما الكلمة التي تُكتب بروح متعالية فقد تلمع للحظة، لكنها تفقد بريقها سريعاً لأنها تنفصل عن جوهر الأدب الإنساني. في المقابل، تبقى الكلمة التي تولد من تواضع التجربة حيّة، لأنها تنبع من احترام الإنسان للإنسان.
وهكذا يعلّمنا الأدب أن الكاتب الحقيقي لا يقف فوق الآخرين، بل يقف بينهم. لا يرفع نفسه على منصة الحكم، بل يفتح باب الحوار. فهو يعرف أن المعرفة بحر واسع، وأن أجمل ما في الرحلة الإبداعية هو أن يبقى الإنسان فيها متعلّماً مهما كتب، وباحثاً مهما بلغ.
وفي النهاية، يبقى الأدب فعلاً إنسانياً قبل أن يكون مهارة لغوية. فالكاتب الذي يجلس على برجٍ عاجي قد يرى الناس صغاراً من علٍ، لكنه في الحقيقة يبتعد عنهم أكثر فأكثر. أما الكاتب الذي يمشي بينهم، ويصغي إلى أصواتهم، ويشاركهم قلقهم وأسئلتهم، فإنه يكتشف أن الأدب ليس سلطةً، بل رسالة.
(فالكلمة التي تُكتب بتواضع تبقى، أما الكلمة التي تُكتب بتعالٍ… فتذروها الريح مع أول امتحان للزمن.)




































