
الست عفاف
بقلم : زياد أبوصالح/ فلسطين
كانت عائلة “عفاف” في المخيم ليست مجرد عائلة تقيم بين جدران بيت متواضع، بل كانت عنواناً يُشار إليه. أبوها، ذلك الرجل الوقور الذي لم ترفعه المناصب لأن قيمته كانت راسخة قبل أن يأتي أي منصب، كان قد غرس في أبنائه أن “هيبة الاسم لا تُصنع بما تكتبه بطاقة الهوية، بل بما تزرعه في القلوب من خير لا يُنسى”. كانت كلماته تلك بمثابة النور الذي يضيء دروب البيت، فما خرج من تحت سقف ذلك البيت إلا من حملوا راية العلم والجهاد والعطاء.
في بيتهم، كان الكتاب صديقاً مأنوساً قبل أن تصبح الكتب زينة الرفوف، وكان مجلس أبيهم جامعة مصغرة، يلتقي فيها أهل العلم والرأي، يتناقشون في أمور الدين والدنيا، والصغار يصغون في زاوية المجلس، تتسع عيونهم وتتفتح عقولهم. وهناك، في تلك الزاوية المفضلة لديها، كانت “عفاف” تتكئ على وسادة صغيرة، وتنصت بكل جوارحها. لم تكن تفهم كل ما يقال، لكنها كانت تشعر بأهميته، كمن يسمع لحناً جميلاً بلغة لا يعرفها لكنه يدرك أنه يستمع إلى شيء نبيل.
كبرت “عفاف” بين تلك الجدران المتواضعة التي ضاقت بالأجساد لكنها لم تضق يوماً بالأحلام. كانت ترى بعيني طفلة كيف يتعاون الجيران في الأفراح والأتراح، وكيف يقتسم الناس رغيف الخبز إذا عز الطعام، وكيف تتحول الساحات الترابية في المخيم إلى ملاعب يتردد فيها صدى ضحكات الأطفال رغم قسوة الواقع. كل تلك المشاهد كانت تغرس في روحها بذوراً لم تكن تعرف أنها ستزهر يوماً وتصبح ظلاً يستظل به الكثيرون.
في مدرسة وكالة الغوث، تلك المدرسة التي بدت كسفينة نجاة في بحر اللجوء، بدأت “عفاف” رحلتها الرسمية مع العلم. كانت تجلس في الصف الأمامي، لا تفارق عيناها سبورة المعلم، وكأنها تدرك أن كل حرف يُكتب هناك هو خطوة نحو مستقبل يستحق العناء. وفي طريق عودتها من المدرسة، كانت تمر على بيوت الجيران لمساعدة من يحتاج منهم، تحمل رسالة شفهية من والدتها لجارة لم تستطع الخروج، أو تساعد طفلاً أصغر منها في حل واجباته.
ثم انتقلت إلى المدارس الحكومية، وهناك، في فضاء أرحب قليلاً، أظهرت “عفاف” تفوقاً لفت الأنظار. لم يكن تفوقها مجرد درجات عالية تُكتب في الشهادات، بل كان نبوغاً حقيقياً، عقلاً متقداً يسأل أسئلة تتجاوز عمرها، وروحاً متعطشة للمعرفة لا يشبعها المنهج المقرر. كان معلموها يرون فيها أكثر من مجرد تلميذة نجيبة؛ كانوا يرون فيها مستقبل امرأة ستترك بصمة.
وحين جاء موعد الجامعة، كان اختيارها للتخصص العلمي خياراً واعياً؛ فهي لم تكن تبحث عن وظيفة تدر راتباً، بل كانت تبحث عن ميدان تستطيع من خلاله أن تخدم مجتمعها الذي أحبته، وأن تكون امتداداً لرسالة عائلتها التي عُرفت بالعطاء.
وهكذا بدأت “عفاف” حياتها العملية معلمة. لكنها لم تكن معلمة كباقي المعلمات. كانت تدخل الصف فتدخل معها نسمة من روح المخيم، من حكايات الصبر والأمل. كانت ترى في كل طالب وطالبة قصة تستحق أن تُقرأ، وأملاً يستحق أن يُروى. كانت تدرك أن بعض طلابها يأتون إلى المدرسة وقد أثقلتهم هموم بيوتهم، فكانت تبدأ درسها بابتسامة تمسح شيئاً من ذلك التعب، وبنبرة صوت دافئة تذكرهم بأنهم قادرون.
لم تكن حواجز الاحتلال ونقاط التفتيش تمنعها من الوصول إلى مدرستها. كانت تسلك طرقاً ترابية وعرة، تسير على قدميها ساعات أحياناً، تتجاوز الصخور والحواجز الإسمنتية، ليس لأنها لا تملك وسيلة نقل، بل لأنها كانت تؤمن أن تلك الصعاب ما هي إلا اختبارات لإرادتها، وإرادتها كانت أقوى من كل العوائق.
تميزت في عملها ، فانتقلت إلى الإشراف التربوي ، ووجدت “عفاف” ميداناً أرحب لخدمة رسالتها. كانت مشرفة لا تشرف فقط، بل تُلهم. تدخل المدرسة فتشيع فيها حركة إيجابية، وكأنها طاقة لا تهدأ. كان بعض المعلمين يقولون: “إذا دخلت الست عفاف المدرسة، شعرنا أن أحداً جاء ليذكرنا بسبب دخولنا هذه المهنة أصلاً”. عُرفت بحزمها في الحق، لكن حزمها كان مغلفاً برحمة تفيض. كانت تعرف متى تشد على يد معلم، ومتى تلفت انتباهه إلى خطأ يحتاج أن يتجاوزه. خبرتها الواسعة جعلتها مرجعاً للمعلمين الجدد، وكانت ترى في توجيههم ومساعدتهم استثماراً حقيقياً في مستقبل الأجيال القادمة.
لاحقاً ، تولّت منصب النائب الفني في إحدى مديريات التربية والتعليم، فكانت نموذجاً للمسؤول المخلص ، لكن لم يتغيّر جوهرها. كانت تسبق الجميع إلى دوامها، وتصل قبل الوقت بوقتٍ طويل، وكأنها تُسابق النهار. لم تتردد في زيارة المدارس البعيدة، تشارك الطلبة طابورهم الصباحي، وتتابع أدق التفاصيل ، تفرح لفرحهم، وتشدّ على أيديهم في صمتٍ دافئ.
كانت إنسانيتها حاضرة في كل موقف، في لحظات الألم، أقرب الناس إلى طلبتها؛ فإذا أُصيب أحدهم، سارعت إلى زيارته، تُطمئن قلبه قبل أن تسأل عن جراحه. وكانت تجلس إلى جوار أمه في المشفى ، تلملم دموعها بصمت قبل أن تلملم أوراق التقارير ، وكانت تحلّ المشكلات بهدوءٍ وحكمة، دون تعقيد أو تصعيد، وكأنها خُلقت لتجمع لا لتفرّق.
بجهودها وجهود من عملوا معها، حصدت المديرية العديد من الجوائز، لكن أعظم إنجازاتها لم يكن في الشهادات، بل في القلوب التي أحبّتها، والعقول التي أنارتها. عرفها الناس بطيبة القلب، وسعة الصدر، وحبّ الخير. كانت مصدر دفءٍ لكل من حولها، تنشر الكلمة الطيبة، وتزرع الأمل حتى في أقسى الظروف. لم تكن مجرد مسؤولة تربوية، بل كانت أختاً لكل من تعلّم منها أو عمل معها.
واليوم، حين يُذكر اسم “الست عفاف”، لا يُستحضر منصب، بل تُستحضر سيرة؛ سيرة إنسانة جعلت من التعليم رسالة، ومن الإخلاص طريقًا، ومن العطاء أثرًا لا يُمحى.










