أم البنات
حكايات في رمضان الحلقة 11
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
في بلدةٍ محصّنة بالجبال، عاش الحاج “رشيد” كسنديانة قديمة متجذّرة في أرضها. يستيقظ مع الفجر ، يحمل معوله ، ويقاسم أرضه التعب والصبر ، يحرث بيديه عشرات الدونمات المتناثرة في القرى المجاورة، ويبني السلاسل الحجرية حجراً حجراً، بمعاونة زوجته كأنهما يشدّان التراب إلى صدريهما كي لا يضيع . رزق بولدين وأربعة بنات، وكان يعمل بعرق جبينه ليُطعِم ذلك الفم الكبير.
لكن قدراً أسود طرق بابهم ذات يوم. نشب شجار بين قريب للحاج رشيد ورجل آخر، انتهى بقتيل. هزّت الفاجعة العائلة، فاضطروا لمغادرة البلدة تحت جنح الخوف، فارّين من سطوة الثأر. حملوا ذكرياتهم وهربوا إلى بلدة بعيدة، حيث احتضنتهم قلوب أهلها الطيّبة، فاستقبلوهم كأنهم أبناء المكان منذ الأزل .
لم يكتفِ أهل القتيل بفرارهم. أحرقوا بيوت العائلة وأثاثها، حطّموا أشجار الزيتون والتين والكرمة والرمان التي غرسوها بأيديهم، حوّلوا الأرض إلى خراب ، وحرّموا على الناس فلاحتها، فصارت مرعىً للغنم فقط.
في المنفى، سجّل الأطفال في المدارس الجديدة، بينما انخرط الرجال في حفر الآبار وبناء البيوت ، يكدحون ليصنعوا جذوراً بديلة . حاول أهل القتيل الثأر مراراً، لكن محاولاتهم باءت بالفشل بفضل عناية الله.
كبر الابن الأكبر للحاج رشيد، واختار عروساً من بلدته الأصلية، من عائلة ذات صلة قرابة. عند ذهاب الجاهة للخطبة، ذرف نسوة العريس دموعاً صامتة أمام بيوت أهاليهن المدمرة، تمّت الموافقة ، ووزّعت “السلفانا” إعلاناً صامتاً للفرح في أرضٍ اعتادت الحزن .
بعد شهر، حان وقت العرس. اقترب موكب العريس من قرية العروس، فنزل الرجال ومعهم العريس وتسلقوا أشجار التين والزيتون كي يختفوا عن الأعين. أرسلوا مع رجال البلدة الجديدة ونسوتها ليأخذوا العروس دون طبل أو زمر. عاد الموكب والعروس معهم، نزلوا من الأشجار وهم يغنون، وفرحت قلوبهم كالطير المحرّر.
أحكم أهل البلدة الجديدة الحراسة تلك الليلة، يحرسون الفرح كما يُحرس الدم .
مرّ عام، ورُزق الشاب بمولودته الأولى… أنثى. فرحوا لكن فرحتهم كانت كالخبز بلا ملح. وبعد عامين، أنثى ثانية. واستمر الحال: كل عامين، أنثى جديدة، حتى بلغ عدد البنات خمساً .
تزوج الشاب على زوجته، فالبنت بنت، والعائلة تحتاج إلى ذكور ليعينوهم إذا ما عادوا يوماً إلى أرضهم. لكن الزوجة الجديدة لم تأتِ إلا ببنات أيضاً.
بعد أعوام، حدث ما لم تكن تتوقعه الزوجة الأولى: ولدٌ ذكر. سمّته “حسين” تيمناً بجده. فرحت الأم حتى خافت من فرحها ، كانت تسمع وراء ظهرها همسات: “أم البنات”، فصرخات المجتمع كانت تلاحقها كظل.
أصيبت بهوس الحراسة عليه. كانت تقفز من نومها ليلاً، تتحسس وجهه ، تتأكد أنه ما زال ذكراً. حمدت الله، ثم رزقت بعدها بأربعة ذكور متتاليين.
كبر الأولاد والبنات، تزوجوا، أنجبوا أحفاداً من الجنسين. كانت تفرح لفرحهم، تحزن لحزنهم، وتبقى ثابته كعمود البيت ، وصارت قلعة الحنان التي يأوي إليها الجميع.
وبالرغم من أن زوجها تزوج ثلاث نساء أخريات، بقيت هي وجه البيت في غيابه، قبلة الضيوف، رمز الكرم والثبات. كانت تضحك في وجه الدنيا، كأنها تقول لها: “البنات كنزي، والذكور نعمة، ولكن الإنسان بقيمه وإنسانيته هو الذي يخلد” .
وكبرت “أم البنات”، وشابت شعرةٌ شعرة، لكن عينيها لم تفقدا بريقهما. في إحدى الأمسيات، بينما كانت تحمل حفيدتها الصغيرة، سألها أحد الأحفاد: “جدة، ماذا كنت تفضلين: الذكور أم البنات؟”
نظرت إلى الحفيدة تنام بين ذراعيها، ثم إلى أولادها وأحفادها يلعبون في الساحة، وقالت بصوت هادئ عميق:
“كنت أظن أن الأرض تحتاج إلى ذكور لتحييها. لكنني تعلمت أن القلوب تحتاج إلى حنان كحنان البنات ، أما القلوب إذا مات حنانها، تتحول إلى صحراء. البنات كنّ الماء الذي جعل صحراء حياتي تزهر.”
فهم الجميع يومها أنها لم تكن مجرد “أم بنات”، بل كانت شجرة عطاء، ظلّها الوارف حمى أسرة بأكملها من حرّ الحياة وقسوتها. وأدركوا أن أعظم إرث تتركه المرأة ليس في جنس من تنجب، بل في الحب الذي تزرعه، والكرامة التي تحافظ عليها، مهما هبت رياح الظروف.
ودائماً كانت تردد: “الحمد لله الذي جعلني امرأة، عرفت معنى أن أخلق من العتمة نوراً، ومن اليأس بستاناً.”




































