الشيخ والعسل. … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 7 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
في بلدةٍ تكاد البيوتُ تتدافع فيها، كانت المقابرُ أيضاً تتنافسُ على شبرٍ من الأرض. لم يعد ثمة متسعٌ للموتى الجدد بين أضرحة الأجداد، حتى صار سكان البلدة يخشون مفارقة الأحباء مرتين: مرة عند الوفاة، ومرة عند البحث عن مرقدٍ أخير.
في تلك الأيام، تبرع أحد المحسنين بقطعة أرض واسعة على أطراف البلدة، وقفاً عن روح والده الذي انتقل إلى رحمة الله قبل سنوات. عمَّت الفرحة أرجاء البلدة، وتبارى الناس في شكر الرجل الذي وهب الموتى مساحةً للراحة.
لم ينتظر الناس طويلاً ، كلٌّ حمل معوله ، وراح يحفر قبره بيده ، كأنهم يتسابقون مع الموت ، أو يسبقونه بخطوة .
توسَّم أبو أحمد، وهو رجلٌ في الخمسين من عمره، في هذا التبرع فرصةً لوالده المريض الذي كان يشارف على الموت. التقى بابن عائلته الشيخ أبو ناصر – حفار القبور المعروف – في فناء المسجد القديم، قائلاً له : “يا شيخ، والدي لا يبوح بأنفاسه إلا قليلاً، وأريد أن تجهز له قبراً في المقبرة الجديدة”، قال أبو أحمد بصوتٍ خافت كأنه يخاف أن يسمعه الموت.
نظر الشيخ أبو ناصر صاحب اللحية الطويلة ، ثم أدار كفيه المتشققين من طول مهنته. “العمل شاق يا أبو أحمد، الأرض صخرية تحت التراب الناعم.”
“سأعطيك اثنا عشر كيلوغراماً من عسلي الصافي، الذي تعرف أنه أجود ما في المنطقة.”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه الشيخ. “متفقون. العسل ثم القبر.”
في اليوم التالي، حمل أبو أحمد ” مرطبانات عسل السدر الكثيف، وذهبَ إلى بيت الشيخ حيث استقبله بالرحب والسعة ، وطلب منه المباشرة بحفر القبر حسب ما تم الاتفاق بينهما .
لم يكد أبو أحمد يغادر حتى فتح الشيخ أبو ناصر كرتونة العسل، وتأمل الذهب السائل الذي يكاد يلمع في ضوء النهار. كانت رائحته تفوح بالبركة.
توفي والد أبو أحمد، وحزن عليه كثيراً ، لكنه تذكّر القبر الجديد ، غير أن أمه أوقفته عند وصيةٍ قديمة : ” أبوك أوصى أن يُدفن بجوار والده ، قريباً من بيوتنا “.
أطرق أبو أحمد رأسه ، وسلّم بالأمر ، وبقيت قصة العسل حية في ذاكرته.
بعد أسابيع، التقى أبو أحمد بالشيخ أبو ناصر في السوق . “كيف حال القبر يا شيخ؟”
نظر إليه الشيخ بحدة: “أي قبر تتحدث عنه؟”
“الذي اتفقنا عليه في فناء المسجد، مقابل العسل.”
صاح الشيخ: “والله ما رأيت عسلاً ولا بصلًا! ما أخذتُ منك شيئاً، وما وعدتُك بشيء!”
توسَّط الأقارب والوجهاء، لكن الشيخ أصر على إنكاره ، وكأن الاتفاق لم يكن ، وكأن المسجد لم يشهد ، وكأن العسل لم يدخل بيته ، بل ورفع صوته في المسجد: “أنا رجل دين، هل أختلس عسل الناس؟”
لكن الحق لا يخفى طويلاً. سرعان ما انتشر خبر بيع الشيخ جزءاً من العسل لأحد أقاربه، واستهلاكه للباقي مع أولاده. واكتشف أهل البلدة أن القبر الذي حفره بيع لشخص آخر دفن فيه أباه، بعد أن دفع مبلغاً يزيد على قيمة العسل مرتين.
حين سمع أبو أحمد بالأمر، رفع كفيه إلى السماء في سجدة طويلة: “الحمد لله الذي حفظني من الفضيحة. تخيلوا لو أننا ذهبنا بالجنازة ولم نجد القبر!”
لم تمض أربع وعشرون ساعة على جحود الشيخ، حتى اشتعلت خلافات قديمة بينه وبين أحد أقاربه. تحول الخلاف إلى معركة، اعتدى فيها الشيخ وأولاده على الرجل وعائلته، فانتهوا جميعاً في غرف الطوارئ.
تحول العسل المرتشى إلى مرارة في حلق الشيخ. أنفق مدخراته على العلاج والمستشفيات، واضطر هو وعائلته إلى هجر منزلهم خوفاً من الثأر. تحولت حياتهم من حلاوة العسل إلى حدة البصل، ومن الاستقرار إلى التشرد.
أما أبو أحمد، فظل ينظر إلى ما يجري من شرفة منزله الصغير، ويتمتم: “سبحان من رد لي حقي دون أن أرفع سيفاً ” وبقي يردّد بيقين هادئ :” ان ما يُوخذ ظلماً ، يعود عدلاً … ولو بعد حين ” .




































