من سرق وقتك؟

من سرق وقتك؟

 

د. محمد عبد العزيز

السودان

الوقت أثمن ما يملك الإنسان، ولا شيء في الحياة يمكن أن يُعوّضه إذا ضاع. ومع ذلك، كثيرون منا يشعرون بأن الأيام تنقضي، والسنوات تمر، وهم لم يفعلوا ما كانوا يريدون، ولم يصلوا إلى ما كانوا يطمحون إليه. والسؤال الذي يفرض نفسه: من سرق وقتك؟ هل كان الزمن نفسه، أم نحن الذين أضعناه بلا وعي؟

في الحقيقة، الوقت لا يُسرق إلا إذا سمحنا له بذلك. فالعوامل كثيرة، بعضها خارجي، وبعضها داخلي. من العوامل الخارجية: الإشعارات التي تنهال علينا بلا توقف، والاجتماعات التي لا نهاية لها، والمراسلات التي تُشتّت التفكير. ومن العوامل الداخلية: التردّد، والمماطلة، والخيالات التي تلهينا عن الواقع، والقلق الذي يبتلع ساعات التفكير دون إنتاج. كلّ هذه العناصر معًا تصنع شعورنا بأن الوقت يفلت من بين أصابعنا.

أول سرّ لاستعادة الوقت هو الوعي به. فالعقل غالبًا يعيش في وهم أن الوقت بلا حدود، وأن هناك دائمًا غدًا يكفي لتعويض ما فات. لكن الحقيقة أن كل لحظة تمرّ لا تعود، وأن الوقت المهدور لا يُسترد. ومن يعرف قيمة لحظاته، صار أكثر حرصًا على كيفية إنفاقها، وأكثر قدرة على رفض ما لا يخدم هدفه.

ثم يأتي سرّ تحديد الأولويات. فالإنسان غالبًا ما يضيّع وقته فيما هو عاجل، دون أن يسأل: هل هذا مهم حقًا؟ هل هذا يقرّبني من هدفي؟ من يختار الأولويات بحكمة، يقتصد في جهده، ويستثمر وقته فيما يعود عليه بالنفع الحقيقي، لا فيما يستهلكه بلا فائدة. فإدراك الفرق بين العاجل والمهم، بين الضروري والزائد، هو مفتاح السيطرة على الوقت.

ولا يقلّ أهمية عن ذلك إزالة الملهيات. فالملهيات اليوم في كل مكان: الهاتف، الإنترنت، وسائل التواصل الاجتماعي، الأخبار، المحادثات العارضة. وكل واحدة منها تسرق دقائق صغيرة، لكنها تتراكم لتصبح ساعات وأيامًا. العقل المتيقظ هو الذي يعرف متى يوقف نفسه، ومتى يفتح نافذة العمل، ومتى يسمح للترفيه، بحيث لا يسيطر على حياته، بل يكون هو المسيطر على وقته.

ومن أسرار استعادة الوقت أيضًا تقدير قيمة الانضباط الذاتي. فالتسويف والمماطلة هما لصوص الوقت الخفيّان، فإذا تركهما الإنسان، صارا يسرقان منه دقائق، ثم ساعات، ثم أيام. أما من التزم بخططه، ورتّب يومه، ووفّر لحظات للتركيز والعمل، فقد استعاد السيطرة على حياته، وصار الوقت خادمًا له، لا سيدًا عليه.

كما أن الوقت يُسترد جزئيًا بال مراجعة اليوم. فمن لم يقف عند نهاية اليوم ليتأمل ما أنجز، وما أضاع، وما يمكن تحسينه، يظل أسير اللحظة، لا سيدها. أما من خصّ لحظات للتقييم، فقد استطاع معرفة مصادر الإهدار، ووضع خططًا لتجنبها، ويستثمر كل يومٍ في تحسين الأداء المستقبلي.

ولا يغفل أن الراحة والتجديد جزء من إدارة الوقت. فالعقل المتعب والجسد المنهك لا يستطيعان إنجاز أعمال كبيرة، مهما كانت الخطة محكمة. ومن أعطى نفسه فسحة للراحة والتأمل، صار أكثر قدرة على العمل المركّز، وأكثر إنتاجية فيما يُنجز. فالوقت المدّخر بالجهد الذكي أفضل من الوقت الضائع في الاستمرار دون انتظام.

وخلاصة القول، أن من سرق وقتك ليس آخرون إلا إذا سمحت لهم بذلك، وليس الظروف وحدها، بل جزء كبير منه أنت الذي تتركه يضيع بلا وعي. الوقت ملكك إذا عرفته، وتقدّر قيمته، وحدّدت أولوياتك، وأزلت الملهيات، وانضبطت على خططك، وأعطيت لنفسك فسحة للتقييم والراحة.

فالوقت حين يُدرك الإنسان قيمته يصبح أداة قوة، وصديقًا مخلصًا، لا عبئًا ثقيلًا. ومن فهم هذا، صار كل يومٍ يمرّ فرصة لا تُعوّض، وكل لحظة تمرّ إضافة لحياته، وكل قرار يختاره يُقرّبُه مما يريد. فالسيطرة على الوقت ليست رفاهية، بل أساس لكل نجاح، وركيزة لكل توازن في الحياة.