يا وجع القلب
.. أن يرحل “الحنون” بهذه القسوة، وأن تغادر الروح وهي تحمل في حقائبها أوزار العالمين؛ أوزار العطاء الذي لم يُقدّر، وأوزار الوفاء الذي سُحق تحت أقدام المصالح الرخيصة، لقد كان رحيله ليس مجرد موت لجسدٍ تخلى عن الحياة، بل كان موتاً لقيمٍ ظنناها خالدة في ضمير البشر، موتاً لمعنى “الأخوة” التي تلاشت حينما احتاجها أكثر ما يكون، وموتاً لمعنى “الإنسانية” التي ماتت في عيون من كانوا أقرب إليه من حبل الوريد، كيف للقلب أن يحتمل هذه الطعنة المسمومة؟ وكيف للذاكرة أن تستوعب أن من كان “باباً مفتوحاً” للجميع، لم يجد سوى جدار صمتٍ وعتمة في لحظة انكساره؟
لقد عاش ذلك الصديق الرائع كأنه شجرة باسقة في صحراء قاحلة، تمد أغصانها ظلاً لكل عابر، وتمنح ثمرها لكل جائع، دون أن تنتظر مقابل، ودون أن تفرق بين قريبٍ أو غريب، كان “الحنون” الذي يُكتب بأحرف من نور، ذلك الرجل الذي لم يعرف كيف يرد يدًا امتدت إليه، ولم يعرف كيف يغمض جفنيه ودمعة تتلألأ في عين طفلٍ أو في عين شيخٍ، كان عالمه الخاص يتسع للجميع، وبيته الصغير يكبر ليحتضن أحلام الكل، كان “عكازاً” يتكأ عليه كل من أتعبه طول الطريق، ومرسىً تلوذ به السفن الهاربة من عواصف الحياة، يسمع شكوى المتبرم، ويمسح دمع الحزين، ويحمل هموم الآخرين على كاهليه وكأنها همومه الخاصة، بل وكأنه قد خُلق ليكون مفرغاً لآلام العالم، يمتصها ليخرج من حوله سعداء، بينما يظل هو وحيداً مع جراحه التي لا يشعر بها أحد.
لكن المفارقة التي تعصر القلب وتجعل الدموع تخنق الكلمات، أن هذا “العكاز” الذي طالما سند الآخرين، لم يجد من يسنده حين انكسرت ساق الزمن في طريقه، وأن هذا “الباب المفتوح” الذي طالما استقبل الحيارى، صُدم في وجهه بكل قسوة حين طرق أبواب الأخوة والأرحام، لقد انهار سقف السماء فوق رأسه في الشارع، واختلطت ألوان الوجود فلم يعد يرى سوى الضباب، جلطة قاسية مزقت شرايينه وتركته جسداً يذوي وأنفاساً تضعف، ليس في بيت دافئ محاط بالأحبة، بل على قارعة طريقٍ، تحت سماءٍ لا ترحم، وأمام أعين من كان يظنهم ملائكة الرحمة في حياته.
يا للهول.. أن تذبل زهرة عمره يومين كاملين، ثمانية وأربعين ساعة من العذاب الصامت، والوجع يصرخ في داخله صراخاً لا يُسمع، بينما من حوله – ومن المفترض أنهم إخوته ومن لحمه ودمه – يراقبونه بعيون جاحظة لا تملك رحمة، ولا تمتلك شجاعة القرار، لقد مرت الدقائق كأنها قرون، وكانت كل ثانية تمر هي فرصة ذهبية لإنقاذ ما تبقى من حياة، هي يدٌ يمكن أن تمتد لتمسح عرق الموت الذي كان يبلل جبينه، هي قلبٌ يمكن أن ينبض بقرار حاسم ينتزعه من براثن الموت، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل حدث العكس تماماً؛ استكثروا عليه الدقائق، بخلوا عليه باللحظات التي كانوا سيمنحونها لأي غريب، وتركوه يصارع وحيداً ذلك التنين الخفي الذي ينخر في جسده، لقد خانوه في لحظة ضعفه، وتركوه فريسة للصمت والوحشة، وهو الذي ما ترك ضعيفاً إلا وآواه، ولا حزيناً إلا ومسح دمعه.
إنها صورة قاسية ترسمها الحياة أحياناً، حين يكتشف الميت – في لحظاته الأخيرة – أن الذين أحاط بهم طوال حياتهم كانوا مجرد ذئاب تتربص، وأن أخوة الدم لم تكن يوماً أخوة للروح، لقد كان يجود بأنفاسه، وكانوا هم يجودون بالصمت، صمتٌ أثقل من الجبال، وبردٌ أشد من قرصة الشتاء، يخرج من قلوب استبدلت الرحمة بالقسوة، والنسب بالمصلحة، وتركته يرحل كما يرحل الغريب، بل ربما كان الغريب أسعد حظاً منه، لأن الغريب لا ينتظر شيئاً، أما هو، فكان ينتظر “أخوته” التي طالما حافظ عليها ووهبها وجوده، فخاب ظنه كما تخيب زهرة لا تجد ماءً.
وبينما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، كان هؤلاء “القساة” يحسبون الزمن ليس لإنقاذه، بل ربما لينتهي دورهم معه بسرعة، ولتبدأ الفصول الأكثر بشاعة في مسرحية الجحود هذه، فما إن رحلت روحه الطاهرة إلى بارئها، حتى انقضوا كالطيور الجارحة على ماله، ولم يراعوا حرمة الميت، ولم يخافوا يوماً حساباً، بل استحلوا مال بناته اليتيمات، اللواتي فقدن السند والظهر، ليصبحن فريسة للذئاب التي تحرس القانون الأخلاقي في غياب القانون البشري، لقد كان ميراثه لهن، حقاً شرعياً وإنسانياً، لكن الجشع يعمي البصائر، والحقد يطمس القلوب، فسرقوا لقمة عيشهن، وسرقوا مستقبلهن، وكأنهم يريدون أن يقتلوه مرة أخرى، هذه المرة في فلذات أكباده، ليتموا جرح الفقد بجرح الظلم، ويجعلوا من قصة حياته درساً قاسياً في أن لا طيب في زمن السوء، وأن لا وفاء في عصر المصالح.
يا لقسوة قلوب حجرت، ويا لجرم أيادٍ امتدت لتسرق أرملة ويتامى، ألم يكفهم أنه رحل؟ ألم يكفهم أنه فارق الحياة غماً وحزناً؟ أكان لابد من هذه الطعنة الغادرة في ظهور الصغار؟ لقد كان ماله – إن ملكه – في حياته للناس، وبعد مماته حقاً لبناته، لكنهم حولوا نعمة الله في ماله إلى نقمة، وحولوا عطاءه الذي كان يفرح به إلى مأساة تبكي لها الحجارة، إنها وصمة عارٍ لن تمحى من جباههم مهما طال الزمن، وعارٌ سيسطره التاريخ في صفحات النسيان لهم، ليقرأه الأحفاد ويعرفوا كيف كان الأجداد جاحدين، وكيف سرقوا حقوق الضعفاء تحت ستار القرابة الزائفة.
يا صديق العمر.. يا من كنت نعم الأخ والصديق والمعين، إن قلبي لينفطر ألماً على ما لاقيت، وعلى المصير الذي آلت إليه بناتك البريئات، لقد عشت حياتك تعطي بلا حساب، وتحمل هموم الناس وتنسى همك، كنت كالنخيل؛ كلما رُميت بحجر ألقيت بتمرٍ، وكلما عصفت بك رياح الشدائد ثبتّ لتظلل غيرك، رحلت ولم تأخذ معك إلا قلباً أبيض ناصع البياض، لم تشوبه شائبة حقد، ولم تلوثه نجاسة دنيا، رحلت وبريق عينيك يحمل شفافية الأطفال، وابتسامتك رغم الألم تحمل طاقة من الصبر لا يملكها إلا الصديقون، لقد كنت “الحنون” بحق، والآن صرت “الحنين” الذي سيظل يلازمنا كلما مرّ بنا طيفك، وكلما تذكرنا ضحكتك التي كانت تملأ المكان دفئاً، وصوتك الذي كان يطربنا بمواعظ الحكمة والرأفة.
إن العزاء الوحيد – رغم مرارته – أنك رحلت بعيداً عن دنيا القذارة هذه، بعيداًعن قلوب لا تعرف الرحمة، وعن أرواح ميتة تتنفس داخل أجساد بشرية، لقد رحلت إلى حيث العدالة المطلقة،
بقلمي الشاعرة/د.سحر حليم أنيس
سفيرة السلام الدولي
القاهره 23/3/2026



































