صَوتُ الشّاعر أبو الطيّب المتنبّي يَتَرَدَّدُ في وَجَعِكُمْ:
“عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ”…
غَيرَ أَنَّ العيدَ في سِرِّهِ العَميقِ هو حالٌ يُقامُ في القَلب، ولو كانَ الخارِجُ خَرابًا.
فالعيدُ ليسَ صَفحَةً مِن زَمَنٍ عابرٍ، ولا ضحكَةً نُؤَجِّلُها حتّى انتِهاءِ العَواصِف، إنَّما هو انْحِناءَةُ روحٍ عَرَفَتْ رَبَّها فاستقامَت، وخَفقُ قَلبٍ امْتَلَأَ إيمانًا فاسْتغنى عن شُروطِ الفرح في الخارج، لأنّه فَرَحُ التَّقوى حينَ نَغسِلُ قلوبَنا مِنَ الخَطايا والآثام، وفَرَحُ الإيمانِ حينَ يُضيءُ الطَّريقَ في أَقصى العَتَمَة، ونِعمَةُ الشُّكرِ على وفرَة النّعم، ورفعُ الصّلاةِ إلى الباري.
لا تُخاصِموا العيدَ لأنَّ الحَربَ قائِمَةٌ، ولا تَجعَلوه لِسانَ احْتِجاجٍ على مَشيئَةِ النُّور، فالشَّرُّ ليسَ مِنَ الله، بل مِن يَدٍ نَسِيَتْ خالِقَها فَصَنَعَتْ خَرابَها بِيَدِها.
إفصِلوا بِرِفقٍ حَكيمٍ بينَ ما للهِ وما للإنسان: إحمِلوا وَجَعَكُم بِصِدق، واحتَفِلوا بإيمانِكُم بِصِدقٍ أَكبَرَ، لا إنكارًا للألَم، بلِ انتِصارًا عليه.
لا تَخافوا… ليسَ لأنَّ الخَوْفَ لا مُبَرِّرَ له، بل لأنَّ فيكُم مَوضِعًا لا تَصِلُ إليه الحَربُ،
زاوِيَةً خَفِيَّةً لا تَطالُها القَذائِفُ،
ولا تُدَنِّسُها ضَوضاءُ الأَخبار.
هُناك، حيثُ النَّفسُ ما زالَت تَعرِفُ دَربَ السَّلام،
وحيثُ الرَّحمَةُ لا تُهزَم،
والرَّجاءُ لا يُصادَر.
نَعَم.. الجَمرُ في الأَيدي،
والدَّمعُ في المُقَل، والحُزنُ في العُيون…
لكنَّ كُلَّ ذٰلكَ يَعجزُ
أنْ يُطفِئَ شَمعَةً واحِدَةً أُضرِمَت باسمِ المَحَبَّة.
واهتِفوا: “لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ يا ربّ”
لا خُضوعًا للعَتَمَة، بلِ اتِّكالًا على نُورِهِ الأَعظَم الّذي يَبعثُ الحَياةَ مِن رميمِ العظامِ، ويَفتَحُ في الجُرحِ بابًا للشِّفاء.
لا تَخافوا مِمَّن يَقتُلُ الجَسَد، بل خافوا أن تَخمُدَ فيكم شَرارَةُ اللهِ الَّتي بها تُحِبّونَ رَغمَ القَسوَة، وتَغفِرونَ رَغمَ الوَجَع، وتَنهَضون، كُلَّ مَرَّة، كأنَّكُم تُخلَقونَ مِن جَديد.
لَقَد أتى العيدُ دونَ أنْ يَنتَظِرَ صَمتَ الحَرب، فهو لا يَجيءُ مِنَ الخارِج، بل يَنْهَضُ مِنَ الدّاخل، فإذا بَقِيَ في القَلبِ مُتَّسَعٌ للإيمان، وفي الرُّوحِ قَبَسٌ مِنَ الشُّكر، يَبقى العيدُ قائِمًا ولو سَقَطَ كُلُّ شَيء.
أقيموا العيدَ بما تُحييه قُلوبُكُم بالله، فما يُبْنى في الرُّوحِ أَبقى مِمّا يُهدَمُ في الجسد، وما يُرفَعُ إلى السَّماءِ لا تُسقِطُهُ الحُروبُ، لأنَّه مِنَ الله وإليهِ يَعود.
صَلّوا مِن أَجْلِ السَّلامِ وهِدايَةِ البشر…
إنَّ اللهَ سَميعٌ مُجيب.
كُلُّ عامٍ وأنتُم تَحْيَوْنَ بالإيمان.
عايدة قزحيّا


































