نغلي قهوتَنا على أناشيدِ الحبّ
كانت تقيسُ المسافةَ بينَ نبضِها وَعتبةِ بيتِه، وَهو يقودُ الوعودَ نحو الهاوية، كَذريعةٍ مُستَطابة، يفنّدُ ما تحدّثا بهِ، يصنّفُ الحالاتِ المطوِّقةَ لِأنفاسِه، يرتّلُ مجرياتِ الأحداثِ، وَهَمِّ البلادِ باحثاً عن صخبٍ عفورٍ بِأغابيرِ الدّواماتِ التي تلوكُ دماغَه، أمّا هي فَلا تعنيها مواسمُ الهبوبِ، وَلا أعاصيرُ الهياجِ المتتالية، وَلا أوارُ الحروب…
تسحنُ حبوبَ قهوتِها في مهباجِ السَّردِ العنيد، تعيدُ تحضيرَها كلَّ يوم، تسكبُ الماء، تغليه، وَتنهالُ بِالبنِّ المحمّص، وَالمطحونِ، فَتغلي قلبَها، وَيغمرُ حكايتَها الدخانُ…
سألَتْهُ مرّةً، كَما كلِّ النّساءِ العاشقات:
هل تحبّّني؟
فاضَ، وَاسترسلَ بِشرحِ معنى الحبّ، وَلم ينطقْها كلمةً صاخبةً، وَصريحةً، فَهو كَما يصرّحُ دوماً، فَيُسكّنُ إلحاحَها:
دعيني أحبُّكِ على طريقتي…
حدّثها كثيراً عن المصطلحاتِ، وَاستفاضَ بِالتّحليلاتِ، فَقد كانَ يجيدُ السّباحةَ كَنهرٍ هادرٍ في استنباضِ المعاني، وَالإحاطةِ بِها…
كانتْ تعشقُ القهوةَ كثيراً، تفضّلُها مرّةً، غامقةً كَلونٍ ليسَ من ألوانِ قوس قدح، لونٍ مغايرٍ لِكلِّ الضّدّيّاتِ الكونيّة، كَعينينِ منسدلتينِ مختبئتينِ في جيبِ محفظتِها مع رشّةِ سُكَّر، لونٍ بنيٍّ يهدّىءُ روعَها كَترابِ أرضٍ طاهرة، في جبلٍ شامخٍ لم تلوّثْه الأقدامُ الغريبة…
بعدَ حينٍ…
فاحتْ روائحُ الدّماء، وَاختلطتْ بِنكهةِ الحياة…
وَهي…
لم تعدْ ترغبُ اِرتشافَ القهوةِ على مَهلٍ، أو استساغةَ طعمِها، وَلم تعدْ تغريها رائحةُ القهوةِ أيضاً…
غمّستْ أصابعَها في دلّةِ القهوةِ الأخيرة، رسمتْ خطّاً مائلاً ثخيناً على صورةٍ كبيرةٍ تحتلُّ الجدارَ المقابلَ لِحزنِها، وَمسحتْ بِأصابعِها ـ التي تذكرُ نكهةَ يدِه ـ على وجهِه، حتّى بدا وجهُه ملتاثاً كَعقلِها…
اِرتجفتْ، صرختْ، اِنتفضتْ، وَماتتْ…
على الهامش النّبيل:
لا تصدّقوا كلَّ ما يُقال…
ربّما ماتتْ لحظةَ امتناعِه عن لفظِ كلمةِ (أحبك)
غاده رسلان الشعراني


































