الواقع الاجتماعي السوري: تشخيص وتحليل في ظل التحديات الراهنة
حلب_ عماد مصطفى
شهدت سوريا تحولات جذرية على مدى السنوات الماضية طالت كافة مناحي الحياة، وكان للمجتمع والأنساق الاجتماعية الأثر الأكبر والأعمق في استيعاب هذه التغيرات وامتصاص الصدمات. وفي ظل هذه الظروف المعقدة، تبرز أهمية الحوارات المتخصصة التي تسعى لتشخيص الواقع بعين علمية وإنسانية، وتقديم رؤى تساهم في إعادة بناء النسيج الاجتماعي المتضرر. وقد جاءت الندوة الحوارية التي نظمتها لجنة التنشئة الوطنية في حلب، تحت عنوان “الواقع الاجتماعي في سوريا”، لتكون منصة حيوية لتبادل هذه الرؤى، حيث شارك فيها نخبة من الأكاديميين والمفكرين، هم الدكتور عزام خانجي والدكتور عارف رزوق والشيخ علي الجاسم، وأدار الحوار المحامي باسل قره يوسف أوغلي. لقد تناولت هذه الندوة محاور أساسية ترسم صورة دقيقة للتحديات التي تواجه الأسرة والمجتمع السوري، بدءاً من الضغوط الاقتصادية وتفكك البنى الأسرية، وصولاً إلى قضايا الهجرة، والتربية، وأزمة الانتماء والملكية. إن تحليل مداخلات هؤلاء الخبراء يكشف عن شبكة معقدة من الأزمات المتشابكة التي تتطلب مقاربات متعددة الأبعاد لمعالجتها.
افتتح الدكتور عزام خانجي مداخلته بتسليط الضوء على العامل الاقتصادي كأحد أكبر المهددات للنسيج الاجتماعي السوري. فالوضع الاقتصادي المتردي، وما صاحبه من تضخم وتدهور في قيمة العملة، فرض ضغوطاً هائلة على الأسرة السورية التي كانت دائماً تمثل الحصن الأول والأخير في وجه الأزمات. لقد أشار خانجي إلى ظاهرة التفكك الأسري، ليس بالضرورة بالمعنى القانوني للطلاق، بل بالتفكك الناتج عن غياب الاستقرار المادي والنفسي. عندما يعجز رب الأسرة عن توفير الاحتياجات الأساسية، يتآكل الشعور بالمسؤولية والثقة، وتتحول البيئة المنزلية إلى ساحة صراع مستمر.
وفي هذا السياق، تبرز البطالة كآفة اجتماعية تضرب الشباب بشكل خاص. فالشباب هم عصب المجتمع ومحرك التنمية المستقبلية، وعندما يُحرمون من فرص العمل اللائق، فإن ذلك لا يهدد مستقبلهم الفردي فحسب، بل يهدد القدرة على إعادة الإعمار وتفعيل دورة الحياة الطبيعية في البلاد. إن الحفاظ على كرامة المواطن مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرته على العمل المنتج والمساهمة الفعالة في مجتمعه. عندما تُسلب هذه الكرامة نتيجة للفقر المدقع والاعتمادية، يصبح الفرد عرضة للضغوط الأخلاقية والاجتماعية. الهجرة التي أشار إليها الدكتور خانجي ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي نتاج مباشر لفقدان الأمل في بناء مستقبل كريم داخل الوطن. هجرة الشباب الكفؤ، سواء المتعلم أو الماهر، تشكل نزيفاً حقيقياً يفرغ المجتمع من طاقاته الإبداعية والإنتاجية، ويترك وراءه مجتمعاً شيخوخياً أو مجتمعاً يعاني من قصور في رأس المال البشري اللازم لعملية التعافي. إعادة الإعمار، التي تمثل طموحاً وطنياً، تظل حبراً على ورق ما لم يتم احتواء هذه الطاقات المهاجرة أو تحفيز الطاقات الباقية عبر توفير فرص عمل تليق بكرامة الإنسان السوري.
من جهته الشيخ علي الجاسم قدم تشخيص دقيق ومفصل للأسرة السورية، مركزاً على الجوانب التربوية والأخلاقية التي تعاني من خلل كبير. إن تقييم الوضع الأسري لا يمكن أن يقتصر على المؤشرات الاقتصادية، بل يجب أن يشمل البعد القيمي والرقابي داخل المنزل. أشار الشيخ إلى وجود متاعب تعاني منها الأسرة نتيجة لإهمال بعض الأهل، وتحديداً غياب الرقابة الفعالة من الأب والأخ، وهما الركنان اللذان يفترض أن يوفرا الإطار التوجيهي والحماية.
يعزو الشيخ علي هذا التدهور جزئياً إلى النهج التعليمي المتبع، والذي يميل أحياناً إلى التلقين دون التوجيه الأخلاقي والروحي الكافي. فإذا كان التعليم يركز فقط على المهارات الفنية أو العلمية بمعزل عن التوجيه بالقِيَم والمبادئ الدينية والاجتماعية الأصيلة، فإن النتيجة قد تكون أفراداً متميزين تقنياً لكنهم مفككون قيمياً. هذا الفراغ القيمي يفتح الباب أمام التأثيرات السلبية الخارجية ويسهل عملية الانزلاق نحو السلوكيات الخطرة.
كما تناول الشيخ علي قضية الطلاق، التي تعد مؤشراً صارماً على هشاشة المؤسسة الأسرية. فالطلاق لا يعني فقط تفكك زوجين، بل يعني بالضرورة هدم أسرة، وتشتيت أطفال، وخلق جيل يعاني من آثار نفسية عميقة. وما يزيد الأمر سوءاً هو التطرق إلى ظاهرة العنف والتعنيف الأسري، سواء كان موجهاً ضد الزوجة أو الأبناء. هذه الظواهر ليست حوادث فردية منعزلة، بل هي أعراض لخلل أعمق في منظومة العلاقات الأسرية، حيث تتآكل أدوار الآباء والأمهات في بناء بيئة آمنة وداعمة. معالجة هذا الجانب تتطلب برامج توعية مجتمعية مكثفة، ودوراً فعالاً للمؤسسات الدينية والاجتماعية لإعادة ترسيخ مفهوم الأسرة كوحدة متماسكة ومسؤولة أخلاقياً.
أما الدكتور عارف رزوق فقد أضاف بعداً نظرياً وإنسانياً مهماً للندوة، مركزاً على أهمية الوقوف إلى جانب الأسرة ليس فقط من منظور الدعم المادي، بل عبر إعادة ترتيب الأولويات المجتمعية لتعزيز التماسك الاجتماعي والشعور العميق بالانتماء والملكية. لقد أكد الدكتور رزوق على أن الأزمة السورية ليست مجرد صراع سياسي أو اقتصادي عابر، بل هي أزمة هوية وانتماء تفاقمت بفعل سنوات من الاستبداد والتهميش.وضرورة إعادة ترتيب الأولويات” وهي حياة المواطن وسلامته النفسية والاجتماعية قبل التركيز المفرط على البنية التحتية ويجب تبادل الثقة والتماسك المتبادل والعدالة الاجتماعية، التي تعد من اهم العناصر المتتضررة بشدة نتيجة للفساد وتراكمات النظام السابق.
النقطة المحورية التي أثارها الدكتور رزوق هي “الشعور بالملكية” و”الحرية”. إن المواطن الذي لا يشعر أن له ملكية حقيقية في وطنه، سواء كانت ملكية مادية عبر حقوق الملكية الفردية والعادلة أو ملكية معنوية .عبر المشاركة في صنع القرار والشعور بالتمثيل، يكون أكثر عرضة لليأس والهجرة والتفكك. وعندما يفتقد الفرد لحريته في التعبير والعمل والاعتقاد، يصبح وجوده وجوداً سلبياً أو وجوداً مهاجراً. الإشارة إلى “النظام البائد” الذي شوه العلاقة بين المواطن والدولة

































