حارس الذّاكرة المسرحيّة
عمرو دوَّارة يغادر خشبة الحياة
كتب: داود أبو شقرة
إن كنت لا تعرفه، فأنت تعرفه!
ما إن تلتقي به للحظات، حتّى تكتشف حجم معرفته بك، ومن ثم تألفه، فتدرك أنّه يعرفك، ويعرفُ بلدك، ومسرح بلدك. ويعرف عن ذاكرة الوطن العربي… عن مسرحيّاته ومهرجاناته. شخصيّاته، وصعوده وانكساراته، عن سياسييه، ومؤلّفيه وكتبه ومسرحياته…
لِمَ لا؟! وهو ابن فؤاد دوارة ، وعاشق المسرح، والمسرحيين، ومدير مهرجان المسرح العربي في القاهرة، ورئيس فرقة “فرسان المسرح” المصريين، والعرب من كلّ الأقطار الّذين يجتمعون في المهرجان العربي كلّ عام، بالنّظر القليل من التّمويل ليقيم مهرجان باذخ الحبّ والبهاء.
إنه عمرو دوارة، أو ” د. دوارة ” الّذي لا ينضب من الحبّ، والابتسام، والأمل والالتزام. إنه عمرو ربيب المسرح، العاشق الّذي لا ما قال “لا ” لا في تشهُّده.
ما جئنا يوما إلى مصر إلّا وكان عمرو دوارة في استقبالنا، للتّرحيب بنا، ليدلنا إلى المسرحيّة تلك، وإلى الشّخصيّة تلك، إلى عدلي عبد السلام “لو عاوزين تنزلوا الحسين أو الدّرب الأحمر”، أو الدكتور عبد الرحمن عرنوس لو “حابين مناقشة الابعاد النّفسيّة للانقسام الوجه في شخصيّة مسرحيّة”، أو السّيد حافظ لو “عاوزين تعرفوا تاريخ مصر ومسرح مصر”،
أو عصام عبدالله، لو كنتم عايزين تحضروا مسرحية لعصام السيد، أو جلال الشرقاوي لو ذهبتم إلى مسرح الجمهوريّة لحضور طلاق هشام عبد الحميد من وفاء عامر بتوقيع وتدبير المخرج أحمد عبد الحليم، وضروري تشوفوا د. أشرف زكي…
وما “تشتروش من ده، لأن ده أفضل من ده”…
نشَّالو العتبة، يؤدون لك “تعظيم سلام”! تستغرب! كيف يقفون ما أن تمرّ. هم يعرفونك إذن؟! تسأل عن السّر؟ لأن عمرو دوارة اتّفق مع رجال الأمن أن يكونوا على أهبّة الاستعداد، فوصل الخبر إلى النّشالين: “دول ضيوف مصر” لذلك “قضي الأمر الّذي فيه تستفتيان”، يعني أنت ضيف بلدهم “وما يصحش تتنشل، لأنك ضيف مصر”! ما هذا العشق لمصر؟! درس في الوطنيّة والانتماء!
حتّى الغلابة الّذين يجدون لسّد الرّمق، يعشقون بلدهم ويضحون بالغالي قبل الرّخيص لرفع اسم مصر. ذلك البلد الذي حيَّر علماء الحملة الفرنسيّة، ودوَّخ نابليون بونابرت وعشقه الجنرال مينو قبل أن يعشق زبيدة!
بلد مسكونٌ بالعشق والنّكتة وخفّة الدّم، فلم لا ينمو المسرح في جنباته عبر التّاريخ وارف الظّلال!
من عمق الرّوح المصريّة يطلع عمرو دوارة، ود. أسامة أبو طالب، وهاني مطاوع، وأحمد عبد الحليم، وجلال الشرقاوي وعلي سالم، والكاتب ألفريد فرج وإدريس ودريني خشبة وسعد أردش وعبد المعطي الشعراوي، وعبد الوارث عسر.. ماذا تعد؟
“يا داخلا مصر، منِّك كثيييييير”.
في مصر تبكي وتضحك في الوقت نفسه. ويجتمع لديك الصّيف والشّتاء في الوقت نفسه. والرّبيع الدّائم للفكر ، مع خريف الفلسفات منذ إخناتون، فهرمس الهرامسة وأفلوطين وحتّى عبد الرحمن بدوي وإسماعيل صدقي.
في هذه البيئة الخصبة كيف ستتميّز إن لم تكن عمرو دوارة، وابن شيخ النقاد فؤاد دوارة؟
رحل عمروا دوارة صباح اليوم الخميس ٢٠٢٥/١٠/٩ م.
رحل المؤرّخ والمخرج المسرحي، الملقب بـ”حارس الذّاكرة المسرحية”، بعد صراع مع المرض بعد أن قدم مسيرة حافلة بالعطاء.
كرّس د. دوارة حياته لتوثيق الحركة المسرحيّة، وأسهم بقسط واسع من الطّيف النّقدي المسرح وإخراج المسرحيّات…
أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلّفات والدّراسات…
كانت آخر مسرحيّة إخرجها الرّاحل مسرحيّة قمر الغجر على مسرح البالون.
وُلد عمرو دوارة لأسرة فنية، فهو نجل شيخ النّقاد المسرحيين فؤاد دوارة. تخرّج في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1984، بعد أن حصل على بكالوريوس الهندسة في بداية مشواره العلمي، قبل أن يتفرّغ للفن والمسرح.
شارك في تنظيم وإدارة العديد من المهرجانات المسرحيّة في مصر والعالم العربي.
أخرج: وهج العشق، وخداع البصر، وعصفور خايف يطير، النّار والزّيتون، بيت المصراوى، حاصل الضرب والقسمة، ممنوع الانتظار، كما قدم 36 كتابا نصفها فى التّوثيق المسرحى ، و7 منها عن مخرجين كبار ، آخرها كتاب «المهرجانات المسرحيّة العربيّة بين الواقع والطّموحات» و«موسوعة المسرح المصري المصورة» وهو مشروع قومي كبير تضمّن معلومات قيّمة وصور نادرة تقدّم خدمة كبيرة للباحثين والدّارسين والفنّانين فى مختلف الأفرع والمهتمين. توثيق استغرق 27 عاما من عمره ويغطى تاريخنا على مدار 150 عاما فى 18 جزءا غطت 7500 مسرحية بين مسرح قطاع عام وخاص.. بصور شخصيّة لفريق العمل وصور للعروض.. متضمنة 22 ألف صورة نادرة.. أهمّ جزئين. السابع عشر والثامن عشر, لأنّهما يتضمّنان أسماء المخرجين والمؤلفين والعروض والفرق المسرحية وتاريخ إنتاج العروض.. وفيها رصد لجميع عروض صالات العرض والمسارح سواء أثناء الحرب العالمية الأولى، أو خلال الفترة من 1926 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.. الموسوعة غير مسبوقة فى العالم كله لا من حيث الصور التى تضمها لكل العروض أو المدة الزمنية التى تغطيها صدر منها ما يقرب من 12 جزءا وصادف الأجزاء الستة المتبقية بعض التعثر.
حصل الرّاحل عمرو فؤاد دوارة على جائزة الدّولة للتّفوق في الآداب عام 2022، تقديرًا لمسيرته الطّويلة وإسهاماته البارزة في إثراء الحياة الثّقافيّة والفنّيّة بعد أن وهب حياته لتوثيق وتاريخ الحركة المسرحيّة.
إنّه يوم حزين بفقدك يا صديقي عمرو دوارة.
دمشق ٢٠٢٥/١٠/٩ م.
داود أبو شقرة
رئيس جمعية المسرح والرواية والقصة
في اتحاد الكتاب العرب







































