هلالان… بين الشكّ واليقين
بقلم: ماهر اللطيف
تلألأت مصابيح رمضان، وتأرجحت بين مباني الحي ليلًا، فانبثقت منها أنوار زادت المكان بهاءً وروعة. تزيّنت واجهات المحلات والديار بأبهى حلّة، وغزت روائح البخور الأزقة، ممتزجة بسائر الطيب، بينما تبادل السكان تهاني حلول شهر العتق من النار. تحوّلت هذه الرقعة الجغرافية، بعد ثبوت رؤية الهلال، من سكونٍ وهدوء إلى حركةٍ ونشاطٍ وحياة.
اتجه الجميع إلى جامع الحي لأداء صلاة العشاء وقيام الليل؛ شيبًا وشبابًا، رجالًا ونساءً، عائلاتٍ وفرادى، يشقّون الممرات والأزقة في اتجاه بيت الصلاة، حيث انبعث صوت عبد الباسط عبد الصمد يتلو قصار السور، فينساب الخشوع في القلوب.
ومن بينهم عائلة الحاج عبد الباري، المتقاعد من ميدان التعليم، وزوجته المعلمة الحاجة سلوى، يرافقهما بناتهما: ميس، وميسان، وميساء، وميسون، وهنّ جميعًا تلميذات بمعهد المدينة القريب من مقرّ سكنهم.
شارفت العائلة على بلوغ مقصدها، حين توقّف الحاج فجأة، هنيهةً، وهو يمسك بيد زوجته، يسترق أنفاسه. داهمه ضيق وألم حاد في مستوى القلب، فتقوّى على ذراعها حتى صاحت ألمًا. كاد يُغمى عليه، وبناته يحطن به، يسألنه بقلق. ناولته زوجته قارورة ماء، ومسحت جبينه المتبلل عرقًا، ثم واصلوا طريقهم بعد أن بدا وكأنه استعاد شيئًا من توازنه.
أدّوا مناسكهم مع بقية المصلّين، ثم قفلوا راجعين إلى منزلهم. وما إن همّ الحاج بإغلاق الباب خلفه، حتى عادت الوعكة تحاصره من جديد. عندها طلبت ميس، بإلحاح، التوجّه فورًا إلى المستشفى لتبيّن حقيقة ما ألمّ به، غير أنه رفض رفضًا قاطعًا، وغضب وزمجر، وبصاقه يتطاير وصوته يكسر صمت المنزل:
– إنها مجرد آلام عارضة، ستمرّ بإذن الله.
– (ميس، مهدّئة) لا يا أبتاه، لا تبدو كذلك، ما دامت الحالة زارتك أكثر من مرة في زمن وجيز.
– (غاضبًا) لا تخافي ولا تُخيفي بقية أفراد العائلة. هل تريدين أن تصومي بدوني إن قرر الأطباء الاحتفاظ بي عندهم؟ لا بأس، إن شاء الله، سأستعيد عافيتي بنيّتي.
_ (باكية فجاة) لا قدر الله يا تاج رؤوسنا.
تواصل الحوار، ثم طلب من زوجته وبناته البقاء إلى جانبه لقضاء سهرة رمضانية “مشهودة ومباركة” ككل سنة. أعدّت سلوى ما طاب ولذّ، اختفت الهواتف، وساد الدفء والحنان، وتبادلت العائلة مشاعرها الجيّاشة… إلى أن صرخ عبد الباري فجأة بأعلى صوته. تغيّرت ملامحه، ازرورق وجهه، تراخى جسده، وتعرّق، ثم سقط أرضًا مغشيًّا عليه. عمّ الصراخ والبكاء، واستُنجِد بالإسعاف، فانقلب الجوّ وتعكّر في لحظة خاطفة.
لم تمضِ دقائق حتى حضرت سيارة الإسعاف، وقدّم طاقمها الإسعافات الأولية قبل نقل المصاب إلى المستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة. رافقته ابنته ميسون، رافضة تركه وحيدًا، تمسك بيده وتبكي، تناجي الله أن يشفيه ويعيده إليهن سالمًا. أما سلوى، فقد استقلت سيارتها بسرعة، وبناتها معها، مقتفيات أثر زوجها الغائب عن الوعي.
كانت تقود بسرعة جنونية، والدموع تبلل وجهها وثيابها. تتنهّد، تذكر الله، وتدعو لزوجها. تستعيد شذرات من حياتهما المشتركة؛ تبتسم حينًا، وتختنق حينًا آخر، وبناتها يبكين ويدعين، يرجون السلامة لسندهن ومثلهم الأعلى.
تذكّرت سلوى، في تلك اللحظات، كلامه ظهر ذلك اليوم، حين قبّل جبينها أمام ميسون، وقال:
“ليس لدينا ما يكفي من المؤونة والمال هذه السنة، عليكِ الضغط على المصاريف وعدم التبذير تحسّبًا لأي مكروه.”
وافقتْه ضاحكة، وطلبت منه بدورها ترشيد شهواته وطلباته…
توقفت السيارة أمام مدخل المستشفى. هرعن للّحاق بالحاج الذي لم يستفق بعد. ضمّت سلوى ميسون إلى صدرها، وهي ترتعش وتشهق. وما إن دخلن، حتى مُنعن من التقدّم، وهنّ في ذروة الذعر والخوف.
خلف باب غرفة الإنعاش، توقّف الزمن.
لم يعد الليل ليلًا، ولا صار رمضان شهرًا كاملاً بعد.
جلست سلوى تضمّ يديها إلى صدرها، كأنها تحاول تثبيت قلبٍ لا تملكه، فيما التصقت البنات بالجدار الأبيض، يراقبن ضوءًا خافتًا يتسلّل من أسفل الباب ويختفي.
في الخارج، كانت المآذن تتهيّأ لنداء السحور،
وفي الداخل، كان قلبٌ واحد فقط يخوض امتحانه الأخير.
هناك…
حيث لا يُقاس الوقت بالساعات،
ولا تُحسم الأشياء باليقين،
ظلّ هلالان معلّقين في السماء:
هلالٌ ثبت…
وهلالٌ ما يزال يتردّد بين الظهور والأفول.




































