ابن المعزوزة
حكايات في رمضان
الحلقة السادسة عشر
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
وُلد ” سنان ” في بيت لا يقال فيه ” لا ” ، كان وحيدَ أمه ، آخر زيجات أبيه ، فصار منذ طفولته ” ابن المعزوزة ” ، تُلبى رغباته قبل أن تُنطق ، وتُزال العقبات من طريقه خشية غضب زوجةٍ ربط الأبُ رضاه برضاها . كان الرجل ذا نفوذٍ ومال، يمتلك عشرات الدونمات من الأراضي الثمينة، جمعها عبر السنين، بعضها مهرٌ لبناته السبع ، وبعضها استولى عليها من أراضي إخوانه المغلوب على أمرهم .
كبر سنان، ودخل المدرسة ثم الجامعة، ولم يبخل والده عليه؛ بيعت قطعٌ من الأرض لتمويل تعليمه. وعندما تزوج، أقام له والده حفلةً ملأت البلدة ضجيجاً وولائمَ، كأنها زفاف أمراء. توظف الابن في مؤسسة خاصة، وارتدى البدلات الأنيقة، وركب المركبات الحديثة ونسي الحمارة السوداء التي كانت تحمله صغيراً إلى أطراف الحقول ، كأنما يطوي صفحةً من ماضٍ لم يعد يعنيه.
رغم دخله الجيد، استمر سنان في بيع أراضي والده، قطعةً تلو الأخرى، وكأنه يستخفُّ بتلك الأرض التي لم يتعب في حرثها، ولم يتصبب عرقه من أجلها ، ولا يعرف معنى العناء ، ولا ثمن التراب . جاء اليوم الذي أراد فيه بيع قطعة أرضٍ وسط البلدة، فثارت أخته “هدبة” معترضة: “هذه الأرض دفعها زوجي مهراً لي!”. هبت عاصفةٌ من الخلافات بين الورثة، وتصدّع الميراث ، وتصدّر سنان المشهد، مصرّاً على بيعها.
في مساءٍ حزين، طلبت هدبة عقدَ اجتماعٍ مع إخوتها وأخواتها، خوفاً من زعلهم، ورغبةً في الحفاظ على ما تبقى من أوصال الأسرة. وافقت، بعد نقاشٍ مرير، على التنازل عن نصف حصتها البالغة أربعة دونمات ونصف، بل وأعطت من نصيبها نصف دونمٍ لكل أخٍ من زوجاتٍ أخرى، محاولةً استرضاء الجميع. كانت امرأةً تؤثر السلامة، وتخشى الفرقة.
لكن ما حدث بعد ذلك كان ضربةً قاسية. أخبرها شقيقها بأنه سيمنحها ثلاثة دونمات كاملة، ففرحت بذلك. لكن عندما رأت الأرض، اكتشفت أنها خديعةٌ مريعة؛ كانت حصتها شريطاً ضيقاً لا يتجاوز عرضه ثلاثة أمتار، يمتد على طول الجهة الشرقية، لا يصلح للبناء ولا للبيع ، كأنه أراد أن يعطيها حقاً لا نفع فيه ، ارتطم قلبها بالأرض. احتجت، فتدخل أهل الخير، وعرض عليها أخوها دونمين صالحين للبناء، لكنها أبت إلا حقوقها كاملة: ثلاثة دونمات تصلح للبناء.
وماتت الحاجة هدبة، وحُملت إلى قبرها وفي عينيها غصةٌ من ظلمٍ لم يُحسم، وفي قلبها غضبٌ صامتٌ على أخيها الذي سلخ منها حقها. حزن الناس عليها ، وبكوا طيبتها ، وقدموا التعازي ، ثم انفضوا.
بعد أيام العزاء، اتصل أحد أبنائها بخاله سنان، طالباً بحق أمهم. كان الصوت يرتجف ألماً وأملاً. لكن ردَّ سنان جاء كالسكين: “هات أمك خليها تأخذ كل الأرض!”. سكت الهاتف بعد أن انطلق صوت بكاءٍ مكتوم، بكاء رجل تذكر أمه وكأنها ماتت في تلك اللحظة من جديد.
لكن سنان، في غطرسته، نسي أن للعدالة أوراقاً. نسي أن أبناء هدبة يحتفظون بأوراق تثبت حقها، وشهودٌ ما زالوا أحياءً يروون ما جرى في ذلك الاجتماع. بيعت الأراضي الواحدة تلو الأخرى، ولم يبقَ لسنان سوى جدران بيته. أما أولئك الذين ساندوه وسكتوا عن حق أخته، فقد حلّت بهم نوائب الدهر؛ فقد تفرقوا ، فمنهم من بات في بيتٍ بالإيجار، ومنهم من أقعده المرض، ووقف آخرون على قارعة الطريق يبيعون الخبز ، لأنهم أنكروا حقّ أمراةٍ ماتت مظلومة .
وأما سنان نفسه، فقد دبّ فيه المرض، وأخذ يعضُّ على نواجذه من ندمٍ متأخر. تذكر أنه لم يترك أثراً طيباً ، وأنه لم يبنِ مسجداً يحمل اسم أبيه، ولا مدرسةً تخلد ذكره ، ولا صدقة جارية ، أضاع الأرض ، وأضاع معها السمعة .
أصبح منبوذاً بين أبناء عشيرته، يُتجنب في المجالس، ولا يُلتفت إلى كلامه. يعيش في خريف عمرٍ قاسٍ، بعد أن كان عزيزاً ، تذروه رياح الندم، وتطارده ظلال الأرض التي أضاعها، وحقّ الأخت الذي اغتصبه.
في زاوية من بيته الواسع الفارغ، يحدق في الفراغ، وكأنه يرى وجه هدبة في الظلام، تذكِّره بأن الحقوق ، وإن أُخّرت ، لا تموت .. وإن الظلم ، مهما طال ، يعود على صاحبه خسراناً مبيناً …



































