بين الحياة والبقاء
بقلم/ د. محمد عبد العزيز
لو أنَّ الحياة تُقاس بطول السنين لكان أطول الناس أعظمهم حظًّا منها، ولكنها في ميزان العقل ليست عددًا يُحصى، بل معنى يُدرَك. وما كلُّ من تنفّس عاش، ولا كلُّ من تحرّك أحيا. إنما الحياة موقفٌ من الوجود، وإرادةٌ تعلن نفسها في وجه العدم، وعقلٌ يأبى أن يكون تابعًا حيث يجب أن يكون قائدًا.
إنّ الإنسان قد يُمضي عمره كله وهو في هدنةٍ مع الفراغ؛ لا يسأل سؤالًا يُقلقه، ولا يطلب حقيقةً تُكلّفه عناء البحث، ولا يقف من نفسه موقف المحاسِب الصارم. يعيش كما يعيش العشب في البراري: ينبت حيث يُلقى، ويذبل حيث يُترك. وهذه وإن سُمِّيت حياةً فهي حياةٌ لا يُعتدّ بها في سجلّ الإنسانية، لأنها خلت من الوعي الذي يميّز الإنسان من سائر الأحياء.
الحياة الحقّة ليست في سلامة الجسد، بل في يقظة الفكر. ليست في انتظام النبض، بل في اضطرام الفكرة. قد يكون المرء صحيح البدن، قويّ العضل، ولكنه عليل الإرادة، خائر العزم؛ فيمشي على الأرض وهو في الحقيقة محمولٌ بأهواء غيره، مسوقٌ بتياراتٍ لا يدري منبعها ولا غايتها. وأيُّ حياةٍ هذه التي لا يملك صاحبها فيها رأيًا، ولا يجرؤ على إعلان قناعة، ولا يحتمل تبعة موقف؟
إنّ من الناس من يهاب الحرية لأنها تكشف عُريه الداخلي، وتُلزمه أن يكون شيئًا مذكورًا. فالحرية ليست امتيازًا يُمنح، بل تكليفًا يُحتمل. هي أن تقول «نعم» عن بصيرة، و «لا» عن اقتناع، وأن تعلم أنّ لكل كلمةٍ ثمنًا لا يُؤدّى إلا من رصيد الشجاعة. ومن لم يرضَ بدفع الثمن رضي أن يعيش في هامش الحياة، يُردّد ما يُقال، ويُصفّق لما يُملى عليه، ويحسب ذلك مشاركةً وهو في الحقيقة غياب.
لقد عرفتُ في مسيرة الفكر أنّ الحياة معركةٌ بين الإنسان وركوده، بين عقله وتقليده، بين إرادته وخوفه. فإذا غلب التقليدُ العقلَ خمدت الحياة في صاحبها وإن ظلّ يتقلب في شؤونها. وإذا انتصر الخوفُ على الإرادة عاش المرء أسيرًا لما يخشاه، لا لما يريده. ولا أرى فرقًا كبيرًا بين أسير القضبان وأسير الأوهام؛ فكلاهما محرومٌ من أوسع ما في الإنسان: حرية الاختيار.
وليس معنى هذا أن الحياة صخبٌ دائم، أو ثورةٌ لا تهدأ، أو خصومةٌ لا تنقطع. بل هي قبل ذلك وبعده انسجامٌ بين ما يعتقده المرء وما يفعله، وبين ما يُضمره وما يُظهره. فإذا انقسم الإنسان على نفسه، فأضمر غير ما أعلن، واعتقد غير ما فعل، فقد انقسمت حياته، وصار يعيش نصفًا مبتورًا لا كلًّا سويًّا. والحياة لا تُعطى أنصافًا؛ إما أن تُعاش كاملةً أو تُترك ناقصة.
إنّ قيمة الإنسان لا تُستمدّ من كثرة ما يملك، بل من وضوح ما يؤمن به. قد يملك المال والجاه والسلطان، ثم يكون أفقر الناس إلى معنى حياته؛ لأنه لم يسأل نفسه قط: لماذا أفعل ما أفعل؟ ولأيّ غايةٍ أسعى؟ فإذا عجز عن الجواب، كان غناه فقرًا، وسلطانه تبعية، ونجاحه ظنًّا لا حقيقة.
ولقد رأيتُ أناسًا حُرموا أسباب الرفاه، وضاقت عليهم السبل، ولكنهم عاشوا حياةً ملأى بالكرامة؛ لأنهم ملكوا لأنفسهم قرارهم، وأبوا أن يكونوا صدىً لغيرهم. هؤلاء وإن قلّت أعمارهم فقد عاشوا في كلّ لحظةٍ عمرًا كاملًا؛ لأنهم كانوا فيها حضورًا واعيًا، لا ظلًّا باهتًا.
إنّ السؤال الذي ينبغي أن يُقلقنا ليس: كم سنةً عشنا؟ بل: كيف عشنا؟ أكنّا نُفكّر أم نُكرّر؟ أكنّا نختار أم نُساق؟ أكنّا نتحمّل تبعة آرائنا أم نلوذ بالصمت حين تُختبر القناعات؟ إنّ الحياة امتحانٌ للجرأة الفكرية قبل أن تكون امتحانًا للقوة البدنية. والجبن في الرأي أخطر من الضعف في الجسد؛ لأن الأول يُميت المعنى، والثاني لا يُميت إلا الوسيلة.
قد يقول قائل: وما جدوى هذا التشديد؟ أليس يكفي أن يعيش الإنسان آمنًا مطمئنًّا، بعيدًا عن صراع الأفكار ومشقة الاختيار؟ فأقول: إنّ الطمأنينة التي تقوم على تعطيل العقل ليست طمأنينة، بل سبات. والسبات قد يريح الجسد، ولكنه لا يُنشئ إنسانًا. وما خُلق الإنسان ليكون آلةً مُحكمة الحركة، بل ليكون عقلًا ناقدًا، وروحًا طامحة.
فإن أردتَ أن تعلم أكنتَ حيًّا أم كنتَ على قيد الحياة، فانظر إلى مواطن الاختبار في عمرك: حين خُيّرتَ بين السهل والصواب، ماذا اخترت؟ حين دعاك خوفك إلى الصمت، هل تكلّمت؟ حين راودتك مصلحةٌ عاجلة على حساب مبدأٍ ثابت، أأذعنتَ أم قاومت؟ هناك في تلك اللحظات يُقاس نصيبك من الحياة.
الحياة ليست منحةً تُؤخذ كما هي، بل هي صناعةٌ يُشارك الإنسان في تشكيلها. فمن رضي أن يكون مادةً صمّاء شكّلته الظروف كيف شاءت، ومن أصرّ أن يكون فاعلًا شكّل هو الظروف بقدر ما يستطيع. وبين الاثنين فرقٌ كالفرق بين من يُقاد ومن يقود.
فاختر لنفسك: أتريد أن تُحسب في عداد الأحياء لأن قلبك ينبض، أم تُحسب في سجلّ الحياة لأن عقلك يعمل وإرادتك تختار؟ إنّ النبض وحده لا يكفي، ولا الحركة وحدها تُغني. إنما الحياة عقلٌ يُفكّر، وضميرٌ يحكم، وإرادةٌ تُنفّذ.
وما عدا ذلك وإن طال فبقاء.



































