.الحاج سليمان … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 10 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸
في زقاق ضيق من أزقة البلدة القديمة، حيث البيوت المتلاصقة كحبات السبحة، نشأ سليمان. كان أكبر إخوته بكرًا ، حمل اسم أبيه قبل أن يحمل همّ العائلة. لم يكن بيتهم سوى غرفتين متواضعتين تفوح منهما رائحة الخبز والدعاء. كبر سليمان على صوت أمّه وهي تدعو لأبنها قبل أن يخرج إلى العمل، وعلى حكمة أبيه الذي كان يقول له: “يا بني، البركة في الصدق، والنقص في الزيادة”.
تعلم القراءة والحساب في مدرسة القرية، غير أن دفاتر الطفولة أغلقت سريعاً ، لم يكمل تعليمه. أحس بثقل المسؤولية مبكرًا، فانخرط في الأعمال الحرة، يحمل على كتفيه لقمة عيش إخوته الصغار. كان يبيع ويشتري، يكابد حرّ الشمس وبرد الشتاء، وقلبه متعلق بالله أن يفرجها.
تزوج من فتاة من عشيرته، طيبة كأنها قطعة من قلبه. أعانه أهلها على فتح محل صغير للمجوهرات، في زاوية من سوق الذهب. لم يكن محله كغيره من المحال التي تلمع واجهاتها بالكريستال والرخام. كان بسيطًا، متواضعًا، يشبه صاحبه. كان سليمان يزن الذهب بميزان الضمير قبل ميزان القيراط. لا يغش، لا يرفع السعر على زبون ولا ينقص في الوزن. كان يقول لمن ينصحه بالاحتكار: “ما نقص مال من صدقة، والله يبارك في القليل”.
كان يحب الأطفال. كلما دخل عليه طفل مع أهله، مد يده إلى جيبه وأخرج نقودًا يوزعها عليهم، ليرى الفرحة تشع من عيونهم البريئة. كان يرى في ضحكتهم صدقة جارية.
وكان غريبًا في سوق الذهب. تجار يركبون أفخم السيارات، يشترونها بأموال الغش والخداع، أما هو فكان يأتي بسيارة “سوبارو” قديمة، يوقظ بردتها كل صباح بدعاء السفر. كان يمضي في طريقه، والناس ينظرون إليه مستغربين: “تاجر مجوهرات وسيارته متواضعة هكذا؟!”، فيبتسم ولا يقول شيئًا. كان يعلم أن الغنى ليس فيما تملك، بل فيما تملكك.
حج بيت الله الحرام، وعاد بقلب أكثر خشوعاً كأنه ولد من جديد ، تقطر منه الطمأنينة. يصلي في وقته، لا يؤخر الصلاة لبيع ولا شراء. يتصدق على الفقراء سرًا، لا تعرف شماله ما تنفق يمينه.
رزقه الله بالأولاد. منهم من وقف معه في المحل، ومنهم من سار في طريق الكسب الحلال. ولم يبن قصرًا، ولم يشترِ أرضًا، بل ظل في بيته المتواضع البعيد عن صخب المدينة، يطل كل صباح على زرع صغير يسقيه بيديه، ويقول: “الدنيا متاع، وخير المتاع الزوجة الصالحة والبيت الواسع”.
في مساء أحد الأيام، ختم يومه كعادته. أغلق باب المحل، واستقل سيارته العتيقة، وبدأ يشق طريقه في الطريق الجبلي المتعرج إلى بيته. السماء كانت صافية، والهواء عليلًا، وكان سليمان يسبح الله في سره، حين باغتته صدمة عنيفة، كأن الجبل تحرك من مكانه. سيارة مسرعة، يقودها شاب متهور، فقد السيطرة على مقودها، فاصطدمت بسيارة الحاج سليمان من الجانب، فانحرفت سيارة العجوز عن الطريق وبدأت تتدحرج في هوة عميقة.
الدنيا دارت به، الأرض والسماء تبادلا الأماكن. قطع معدنية تتطاير، زجاج يتناثر، وصوت صرير حديد يدمي الأذنين. لكن صوت سليمان ظل يعلو في زحمة الموت: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”. كان يكررها كمن يقرع باب الرحمة .
عندما وصل رجال الإنقاذ والمتفرجون إلى أسفل الجبل، رأوا مشهدًا لا يصدقه عقل. السيارة أصبحت كومة حديد لا تُعرف ملامحها، لكن الحاج سليمان كان جالسًا إلى جوارها، على صخرة، يمسح الغبار عن وجهه بيدين مرتجفتين. كان ينظر إلى السماء ثم إلى السيارة المحطمة، كأنه يستوعب معجزة لم يخلق لها البشر . جسده يحمل بعض الخدوش، وألم في ظهره، لكنه كان حيًا.
نقلوه إلى المشفى، فغادره معافى، والناس يتهامسون: “سبحان الله، لو كان في سيارة فارهة لتحطم معها، لكن هذه السيارة القديمة.. لعله كان فيها بركة الصدق.”
بعد أيام ، جاء أهل السائق المتهور، يحملون ” الحق العشائري ” حسب العادات ، جلسوا بين يديه معتذرين ، ينظرون حكمه ، نظر إليهم سليمان بهدوء يعرفونه ، وقال على مسامعهم :” احتسب أمري عند الله ” ، لا أريد عوضاً ، وأكرمهم كأنهم ضيوف لا خصوم ، ودعاهم إلى شرب القهوة ، إيذاناً بالصلح والعفو ..
تنفّس القوم الصعداء، وشكروه على كرمه ، ودعوا له بطول العمر .
في تلك الليلة ، عاد الحاج سليمان إلى بيته المتواضع ، وقد ازداد يقيناً أن النجاة لا تُشترى بمال ، ولا تُبنى بعمارة شاهقة، بل تُصان بقلبٍ يتقي الله في السّر والعلن ، ومن عاش أميناً ، عاش محفوظاً، ويحيا في قلوب الناس حتى بعد أن يرحل.




































