البركة والانفاق الكبير بدون شعور في الشهر الفضيل…مقاربة انتربولوجية
أ.د حمام محمد جامعة الجلفة…الجزائر
لو قمنا بتشخيص الواقع الرمضاني من سطحياته إلى عمقه، نجد شيئين ماكثين في الذاكرة الجماعية لمجتمعاتنا اولهما البركة بوصفها معنى متجاوزًا للحساب، والإنفاق الرمضاني بوصفه ممارسة تتخطّى حدود المدخول الشهري أو اليومي إلى حدٍّ لا يُتصوَّر.
هذان العنصران لا يظهران متعارضين في الوعي الجمعي، بل متكاملين داخل بنية رمزية واحدة، تُسندها نصوص الوحي وإرث العلماء.
لقد آمنت المجتمعات القديمة بأن البركة تنزل في هذا الشهر الفضيل، لكونه شهر التوبة والرزق والمغفرة؛ فهو الشهر الذي قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة: 183)، وقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: 185). وفي الحديث: «إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين» رواه محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه. فتخلّى الناس عن عاداتهم السيئة، وتوجّهوا إلى فضائله، طلبًا لقبول التوبة وفتح أبواب البركة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ… يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (نوح: 10–12 tي .
هذا السياق، يبدوفيه الرزق وكأنه يسري في الحياة سريانًا خفيًا، كأنما يُنثر نثرًا؛ إذ يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (سبأ: 39). وحتى لا نسمّي ذلك مشكلة، فإننا ننْعَته بالظاهرة: ظاهرة ترقّب الخير، تصديقًا لقول النبي ﷺ: «تفاءلوا بالخير تجدوه» كما حسّنه جمع من أهل العلم.
غير أن هذه الظاهرة، في عمقها، ليست مجرد تفاؤل نفسي، بل هي جزء من بناء ثقافي أوسع يرى في رمضان زمنًا مقدّسًا؛ زمنًا تتكثف فيه المعاني، وتُضاعف فيه الحسنات، كما في قوله تعالى: ﴿مَّن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: 160)، وفي الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» رواه مسلم بن الحجاج. إنه زمن تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان والرزق، حيث يغدو العطاء بابًا للزيادة، لا للنقصان، تصديقًا لقوله ﷺ: «ما نقص مالٌ من صدقة.
والبركة، كما تتصوّرها المخيلة الجماعية، ليست زيادة عددية فحسب، بل عطاءٌ مضاعف في وقت العسرة، لا يناله إلا من أتى الله بقلب سليم؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 89). وقد قال أبو حامد الغزالي: “ليست البركة كثرة المال، ولكنها ثبوته ونماؤه على وجهٍ يُصلح القلب والحال”، وقال أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية: “البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وكثرته ودوامه”. إنها تحويلٌ لمعنى القِلّة إلى كفاية، وللإنفاق إلى وفرة؛ لذلك لا يُنظر إلى الإنفاق الرمضاني بوصفه تهوّرًا ماليًا، بل ثقةً في تعويضٍ إلهي يتجاوز الحسابات الرقمية، لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: 276.
ومن هنا تتشكل علاقة تعاقدية رمزية بين الطاعات وكثرتها، وبين العطاءات وكثرتها. فالفقراء والعامة يعظّمون الطاعات: قيام الليل، وقراءة القرآن، وسائر القربات، رجاء جزاءات دنيوية وأخروية غير محدودة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10). وفي المقابل، يقوم الأغنياء بتتويج أخلاقي لمكانتهم عبر التكفّل بالإطعام أو التصدّق في رمضان، امتثالًا لقوله سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: 8)، ولقول النبي ﷺ: «من فطّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» رواه محمد بن عيسى الترمذي. هكذا ينشأ توازن رمزي بين العبادة والعطاء، بين الفعل الروحي والفعل الاجتماعي.
إن ندرة الموارد لا تُستحضر بقوة في هذا السياق، لأن الزمن المقدّس – وهو رمضان – يُعاش بوصفه زمن وفرة؛ قداسة الشهر تستجمع بوادر العطاء الرباني، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3). حتى أبسط الأفعال، كتناول تمرة مع التسمية، تُدرج في سجل المعنى المضاعف؛ وقد قال ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» رواه محمد بن إسماعيل البخاري. فالمخيال الديني يرى أن الله اللطيف الخبير – ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ (الشورى: 19) – هو الذي يسوق الأسباب، ويجعل من شربة ماء سببًا في شفاء، ومن لقمة يسيرة بابًا للبركة.
وهكذا تصبح البركة قداسةً تستلهم عطاءها من الله ذي المعارج، وتتحول الأعمال إلى أفعال صاعدة في مدارج الزمن. فقد ثبت سُنّيًا أن الأعمال تُرفع في أوقات مخصوصة؛ قال ﷺ: «تُعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس» رواه مسلم بن الحجاج، وفي حديث آخر: «يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل» رواه مسلم بن الحجاج. هذا الامتداد الزمني المقدّس يسهم في تكثيف الطاعات وتكرارها، ويجعل الفعل التعبدي متصلًا بدورة زمنية عليا تتجاوز الزمن العادي.
في ضوء ذلك كله، يبدو رمضان بنيةً زمنية وروحية تعيد إنتاج المعنى الاجتماعي للرزق والعطاء؛ فالإنفاق ليس مجرد فعل اقتصادي، بل ممارسة رمزية تؤكد الثقة في اللطف الإلهي، والطاعة ليست مجرد أداء فردي، بل مساهمة في شبكة معنوية يتقاطع فيها الأرضي بالسماوي، كما قال عبد الرحمن بن خلدون في حديثه عن أثر الدين في العمران: إن المعاني الدينية إذا رسخت في النفوس صارت قوةً جامعةً تُعيد ترتيب الاجتماع.
وبربط هذه العلاقات، يتراءى أن الله لطيف بعباده، يفيض عليهم من عطائه ما يتجاوز حسابات المدخول والأرقام، ويغمرهم ببركة تتجاوز ظاهر الأسباب، لتصبح البركة نفسها نظامًا ثقافيًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وزمنه، وبين حاجته وأمله، وبين فعله وانتظاره؛ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2–3.



































