التراويح في حضرة الجلال: تجلّيات الهوية الدينية وطقس الاجتماع الرمضاني
ا.د حمام محمد
جامعة الجلفة الجزائر
الحديث عن الهوية الدينية المسلمة لا لبس فيه، لأنه متعلق بالأصل والقداسة، وتزداد هذه القداسة كلما تجمّع الناس حول طقس ديني جامع. فهذا الاجتماع لا يحدث اعتباطًا، بل بدافع نفسيٍّ مقدّس يقودهم إلى حيث يُتلى النصّ المقدّس ويُسمع كلام الجلال. ومن هنا كانت صلاة التراويح عمقًا دينيًا تواصليًا للخشوع لله والتقرّب إليه، في اتِّمام الصيام بقيامٍ تتحقق فيه روابط روحية قوية، يصعب تفسيرها تفسيرًا ماديًا صرفًا.
فالتراويح ليست مجرّد أداءٍ حركيٍّ تعبّدي، بل هي تغذٍّ روحيٌّ من هالةٍ ربانية تنبع من كلام الله المثاب عليه في كل حرف؛ إذ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر: 29]، وقال النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه» (متفق عليه). فكل حرفٍ من القرآن له أثره، وكل آيةٍ لها سرّها الذي ﴿لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]، وقد سخّر الله لها من الملائكة من يحملها ويرعاها حقّ الرعاية.
في هذا الترويح يتماثل الصفاء والنية، ويتسابق الناس لنيل الرضا من جهة، وتجديد الصحة من جهة أخرى؛ فالوقوف بين يدي الله مسألة روحية تنعكس أثرًا صحيًا على الجسد والنفس. وقد كان صحابة رسول الله ﷺ يبيتون قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، غير مدركين لتعبٍ أو مضنّة، لأنهم يرون أنه لا تعذيب ولا عنت في كلام الجلال، بل سكينة وطمأنينة. وكيف لا يتصدّع الفؤاد خشوعًا، ولا ينفلق الجسد رهبةً، وهو يدرك أن كلام صاحب العزة والجبروت يُتلى أمامه في صلاةٍ جامعةٍ ورد أجرها في الأحاديث النبوية؟
إن الأنثروبولوجيا الدينية، وهي تتفقد الظاهرة السلوكية من عمقٍ رمزي إلى معنى دقيق، تقف أمام هذا المشهد متسائلة: كيف يقف المؤمنون أمام الجلال، خالق القوة والقدرة، متأملين في بساطة الطقس وعظمته في آنٍ واحد؟ هنا نستحضر ما ذهب إليه عالم الأنثروبولوجيا المغربي عبد الله حمودي حين رأى أن الطقس ليس مجرد ممارسة، بل هو إعادة إنتاجٍ للمعنى داخل الجماعة، حيث تتجدد العلاقة بين السلطة الرمزية والمقدّس. كما يؤكد الباحث المغربي حسن رشيق أن الاجتماع الديني يخلق شكلًا من “التواطؤ الرمزي” الذي يمنح الأفراد شعورًا بالانتماء والشرعية الروحية. ويذهب الجزائري مالك شبل إلى أن الجسد في الطقس الإسلامي ليس جسدًا معزولًا، بل هو جسدٌ مؤمنٌ يكتسب معناه من حضوره داخل الجماعة.
والتجمع الرمضاني، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، هو اصطفاءٌ زمنيٌّ يشبه اصطفاء الفجر؛ دعوةٌ إلى المسارعة والمسابقة إلى الجلال. وفي الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه). فلا مواربة هنا، بل مواجهة مباشرة مع الجلال، ومعنى العبودية الخالصة.
وحين نتأمل قصة موسى عليه السلام، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143]، ندرك أن الجلال فوق احتمال البشر. فكيف لا نقارن ذلك بجلالٍ يدعونا إلى الدعاء، ويقرّبنا في السجود، إذ قال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (رواه مسلم)؟ إنه جلالٌ مقرونٌ بالرحمة، وهيبةٌ مقرونةٌ بالقرب.
وصلاة التراويح، في خاصيتها الرمضانية، فرصةٌ لإدراك روحانية الجلال، ومباهاة الملائكة بالعابدين والسائحين والقانتين والقانتات؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ… وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]. فالقول بالعابدين هو التقاء جسديٌّ يشبه المصافحة الفطرية للمطمئن بسرّ بركة الحروف القرآنية، مع آخر له الطمأنينة نفسها؛ فتشتعل بينهما تلك الهالة، يصيران أقرب إلى الله. وقد قال بعض العلماء إن هذه البشائر الدنيوية من آثار الطاعة الجماعية، إذ الطقس يفيض على المشاركين سكينةً وانشراحًا.
هذا الجلال الذي يدعونا ونتوسل إليه إنما يريد أن يكافئنا على عبادة القول والفعل والقنوت لله الجبار. وكم من معنى في هذا المصطلح حين يتعلق بالله جل جلاله، القائل: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104]. هنا، ماذا ينقص العقل في هذه اللمة الدينية الرمضانية الصادحة بكلام الجلال سوى الإيمان والتوحيد؟ فكلما كثرت مظاهر التوحيد في الأرض، زادت رعاية الجبار لعباده الذين يعبدون الله الواحد الأحد.
ولما كانت هذه الصلوات منتجًا دينيًا أفرزه صيام يومٍ كامل، صيامًا روحيًا وجسديًا، قام المؤمنون من بداية الليل يناجون الله، كأنهم يوجّهون رسائل غفران إليه، وهو الذي يتنزل في الثلث الأخير من الليل، كما في الحديث الصحيح، ليواصل العطاء ويمنح العبد ما يريد في هذا الشهر الفضيل.
إنّ صلاة التراويح إعلانُ حضورٍ إيماني، وإحصاءٌ رمزيٌّ للمؤمنين والعابدين أمام الحق تعالى، تُكتب به أسماؤهم في عمارة الجزاء. فهي ليست مجرد قيامٍ ليلي، بل شهادةُ جماعةٍ على وحدانيتها، وتجديدٌ للهوية الدينية في أسمى تجلياتها: اجتماعُ الجسد، وخشوعُ الروح، وتلاقي الحرف بالهالة، في حضرة الجلال.




































