البُقْجَة
حكايات في رمضان ( الحلقة 3 )
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
على أطراف إحدى البلدات ، حيث تُحكى حكايا الناس بين جدران الطين وأغصان الزيتون والتين ، عاش رجلٌ اسمه أبو محمد . لم يكن يعرف وجه أمه، فقد انتقلت إلى جوار ربها وهو رضيعٌ في الشهر الثاني من عمره، تنقّل بين صدور القريبات رضيعاً بلا ظلّ ، حتى اشتد عوده.
كبر الفتى قبل أوانه ، فعاش كما يقولون : مقطوعاً من شجرة ، يحمل في قلبه فراغ الأمومة .
منذ صباه ، حمل المعول بدل الدفتر ، وفي يديه شغف العمل. كان يصلح أراضي الناس، وعمل في البناء وكان مخلصاً حتى شهد له القريب والبعيد .
لم تطرق بابه مؤسسة ، ولم يعرف طوابير الإعانات ، فالحياة علمته أن يتكئ على ساعديه فقط .. ولم يُبقِ له القدر سوى أختٍ واحدة. لكنه كالنبتة الصامدة في أرض قاسية، استمد قوته من داخله. تزوج من ابنة عائلته، وأنجب أولاداً وبنات، كانوا كأغصان رقيقة يتعهدها بسقيه اليومي من عرق جبينه.
عمل في رصف الطرق مع الشؤون الاجتماعية بأجر متواضع ، ، يبدأ مع شروق الشمس ويستمر حتى غروبها . وكان العمال، كل فترة، يُمنحون “بُقَجاً” – لفائف من الثياب ملفوفة في بطانية – على سبيل الهبة أو الحظ. يفتح العامل بقجته ليجد فيها قمصاناً أو بناطيل أو معاطف، كلٌ بحسب ما وُفّق له.
وفي يومٍ رمادي، دعاه المسؤول وأشار إلى بقجة كبيرة قائلاً: “هذه لك يا أبا محمد ، لعيالك الكثيرين، ولحالك الذي نعرفه”. حمل الرجل البقجة إلى بيته، وقلبه يرفّ فرحاً بما سيُبهج أولاده. لكن حين فكّ الغطاء، انكشفت المفارقة المرّة: عشرات ربطات العنق بألوان مختلفة، المضحك المبكي في القرية كلها، لم يكن يلبس ربطة العنق سوى مدير المدرسة وبضعة موظفين. ابتسم أبو محمد ابتسامةً عريضة فيها مرارة الدنيا وسخريتها، ثم عاد بالبقجة. ، بلا تذمر ولا شكوى .
حزن المسؤول لحاله ، واستبدلها بأخرى فيها قمصان وسراويل وجاكيتات ، فعاد الرجل إلى أولاده حاملاً بين يديه دفءً ملموساً يقي من برد الشتاء.
كبر الأولاد، وكانوا في المدارس نجوماً تتلألأ علماً وأدباً. لم يعرفوا التعدي على حقوق الناس ، واصل أبو محمد الليل بالنهار ليمنحهم طفولة تشبه أترابهم ، حتى لو شاحت يداه قبل أوانها. واستمر على هذا المنوال حتى رأى أحلامه تُثمر: دكتوراه هنا، ووظيفة محترمة هناك. اشتروا الأراضي، وبنوا البيوت بعرق جبينهم ، وحافظوا على الإسم كما ورثوه : نظيفاً ، مرفوعاً ، لا تشوبه شبهة .
مات أبو محمد ، كما يموت القنديل حين ينتهي الزيت. لكنه ترك سمعةً أثقل من الذهب ، صار أولاده يُحسب لهم ألف حساب في العشيرة، ليس بقوة المال، بل بقوة الخُلق والمكانة التي غرسها فيهم أبٌ كان كالجبل: صلباً من الخارج، دافئاً من الداخل، حاملاً في صدره فراغ أمٍ لم يعرفها، ولكنه ملأه حباً لمن جاءوا من بعده .
غادر أبو محمد الحياة كما دخلها: بلا أملاكٍ فاخرة، لكنه ترك إرثاً من الكرامة لا يُقاس بالمال. لقد كانت حياته رسالةً صامتة: أن الأمانة والعمل الجاد قد لا يغيران مصير الرجل في لحظته، لكنهما يغيّران مصير أجيالٍ قادمة، وأن السعادة الحقيقية تكمن في أن ترى أولادك وقد صاروا سنداً للضعفاء، وعزاً للحق، وامتداداً لاسمك الطيب في الدنيا، بعد أن رحلت عنها.




































