الطَّمَع … !!!
حكايات في رمضان ( الحلقة 1 )
بقلم : زياد أبو صالح / فلسطين
في البلدة الوادعة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة كخيوط حكاية قديمة، عاش أربعة رفاق، نشأت صداقتهم في طفولة بسيطة، وتشبثت كجذور شجرة عتيقة كلما تقدموا في السن. تقاسموا مقاعد الدراسة في مدرسة البلدة، ثم تقاسموا ظروفاً قاسيةً حالت بينهم وبين إكمال تعليمهم، فرضخت أحلامهم تحت وطأة الفقر، وتشابكت حياتهم كحبال متينة في أفراحهم وأتراحهم .
لكن رباط تلك الصداقة بدأ يترهل تحت ثقل الديون التي تكاثفت كالسحب السوداء، ووراء أبواب المحال التجارية التي طال انتظارها لاسترداد حقوقها. صار الحصول على القوت اليومي معركةً يخوضونها بشق الأنفس، حتى استبد بهم اليأس، وولد في الظلام فكرةً ملتوية: التنقيب عن الآثار في خربة مهجورة في أطراف البلدة، طمعاً في ثراء سريع يمحو سنوات العوز بضربة معول.
تحت وهج شمس قاسية، بدأوا الحفر في صمت، لم يقطع سكون المكان إلا صوت المعاول وهي تطحن الصخر وهمس الأمل الذي بات يخفق في صدورهم بقوة. مع كل حفرة تتعمق، وكل كومة تراب تتراكم، أيقنوا جميعاً أنهم على وشك بلوغ الكنز المدفون. هنا، في لحظة الحسم، بدأت جذوة الطمع تتأجج في الظلام.
كان الرجلان الأكثر قرباً، اللذان نشأت بينهما علاقة وثيقة تفوق علاقتهما بالصديقين الآخرين، يفكران بقلبين يخفقان بالجشع. اتفقا على خطة جهنمية: الانفراد بالكنز. اقتربا من صاحبيهما المتعبين، وقالا بنبرة ودّ كاذب: “سنذهب إلى البلدة لإحضار غذاء. استريحا حتى نعود”. وتركاهما يحرسان الحفرة الواعدة.
في البلدة، جلس الاثنان يتناولان طعامهما ببطء، وهم يخططان. وفي لحظة حاسمة، ارتادا دكّاناً صامتاً، ثم دسّا السمّ في وجبتي صاحبيهما المنتظرين. عادا يحملان الطعام المسموم والموت المختبئ بين أكمامهما.
لكن في الخربة، حيث الظلال بدأت تطول، كان الصديقان الآخران قد عثرا بالفعل على الكنز! أخفيا الصندوق العتيق في ركن مظلم، وبدلاً من فرح الاكتشاف، انساب الخوف إلى قلوبهما، ثم تحول إلى نية سوداء. اتفقا على أن يطلق أحدهما الرصاص على الصديقين فور عودتهما، لينفردا بالكنز وحدهما.
عاد الرجلان حاملين الغذاء والخيانة. وقبل أن تلمس أقدامهما التراب بقرب الحفرة، وقبل أن يلفظا كلمة سلام، انطلقت رصاصات نارية من سلاح خفي، أطاحت بهما على الفور، وسقطا على الأرض ملطخين بالدماء والدهشة.
تقدّم القاتلان بخطوات مرتعشة، وفتحا الصندوق ليلمعا عينيهما ببريق الذهب. ثم تذكرا جوعهما، فتناولا الطعام المسموم الذي حمله القتيلان، بشراهة الطامعين. لم يمض وقت طويل حتى بدأ السم ينتشر في أوصالهما، فترنحا كسكارى تحت وطأة الألم، وسقطا بجانب صاحبيهما، لتنطفئ أربع أرواح في مكان واحد.
في اليوم التالي، عثر راعٍ عجوز على الجثث الأربع. بعضها ملطخ بالدماء، وبعضها ما زالت الأيدي المتشنجة تعصر بقايا خبز جاف . شاهدان رأيا الرجلين يتناولان الطعام في مطعم، وآخر أكد زيارتهما لدكان بيع السموم. بينما دلّت الرصاصات على الجريمة الأخرى.
وبعد التحري ، عرف أهل البلدة الحقيقة كاملة : من أكل ، ومن دس السم ، ومن أطلق الرصاص .
مات الأصدقاء الأربعة ، وضاع الكنز ، وذهب لغيرهم . أما الطمع ، فقد أخذ ثمنه كاملاً : أربع أرواح، ودرساً لا يُنسى .
وصدق المثل القائل : ” احذر عدوك مرة ، واحذر صديقك ألف مرة ” .



































