“رمضان عصري” : تمييع لعبادة وشعيرة دينية عظيمة وإضاعة لهويتها
أمة أضاعت بوصلتها، وتتوهم أنها على الدرب السديد، تنشد الثريا وهي تتمرغ في الثرى، ترجو المعالي بينما هي تتقلب في السفاسف والدنايا، أمة غالب أفرادها يعانون جهلا مركبا، يدعون التدين والتمدن، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، المتأمل في حالها حاليا، وهو يعاين استعداداتها الحثيثة على قدم وساق لاستقبال شهر رمضان، يقف مشدوها مستاءً، يتملّكه الذهول من هول وفداحة مايرى، فأينما وجهت وجهك ترى حشودا تتزاحم على المحلات والأسواق، في سباق مجنون للتبضع، مصابون بهوس الشراء والاقتناء، ليصير هذا الأخير سلوكا لا واعيا ينتهجه أحدهم، لا لشيء سوى أنه صار عرفا إلزاميا الكل يفعله، ربما الغريب عن هذا المجتمع، حين يرى هذا المشهد سيعتقد أننا مصابون بفوبيا مستجدة “الخوف من الموت جوعا”، وربما سيجزم أننا مقبلون على مجاعة، أو سندخل في سبات شتوي نلتهم فيه الطعام ونخلد للنوم في جحور تحت الأرض!!
لقد جعلوا رمضان شهر أكل ولهو! ثم مضوا كالحمقى يبحثون عن الروحانية بين ركام الملذات والمادة! يملؤون البطون حد التخمة، ويلوثون الجوارح بأدران الذنوب والمعاصي، فيغيب صفاء الذهن ويثقل الجسد ومعه الروح، فتُحرم هذه الأخيرة من استقبال الواردات النورانية والتجليات، فتظل تتخبط في فلك صاحبها الذي أخلد للأرض وظل رهينا لنَزعات النفس والهوى، خاضعا لسطوة الجسد والمادة، لا يُبارحها قيد أنملة، فتضج روحه وتصرخ لانقطاع مددها وغذائها، وبعد انقضاء رمضان، يشتكي الغالبية من انتكاسة إيمانية وفتور في العبادة، كيف لا وقد ضيعوا عليهم رمضان!
ما هكذا تُورَد الإبل ياسادة!
رمضان موسم النور والهداية تُغذَّى فيه الروح لا الجسد!، وموعد نوراني عظيم تعانق فيه الأرض أنوار السماء، رمضان فرصة ذهبية لسقيا الروح، والارتقاء بالنفس في مدارج التقوى والصلاح، من لم ينهل من معين رمضان فهو حقا مسكين ومحروم.
برأيي يتوجب على الخطباء والدعاة والمصلحين، قبل مخاطبة الأمة بالرقائق وفضائل شهر الصيام، أن يتوجهوا إليها أولا بخطب توعوية ونوعية، لتوضيح ماهية رمضان ومقاصده الشرعية، يعاد فيها صياغة وتثبيت مفهوم هذا الموسم الديني العظيم في الوعي الجمعي لهذه الأمة، والكيفية الصحيحة للاستعداد له واستغلاله وفقا للشريعة، لا إخضاعه لموروثات وأعراف اجتماعية بالية.
لا لجعل رمضان موسما اجتماعيا يخضع لأهواء ونزوات البشر، لا لتمييع العبادات وجعلها عادات، وطقوسا شكلية جوفاء، كفانا عبثية وجهلا بالشريعة ومقاصدها.
بقلمي
زينة لعجيمي
الجزائر




































