رمضان…تجديدٌ للجسد من اجل استمرار الحياة الموهوبة….مقاربةٌ أنثروبولوجية…
ا.د حمام محمد..جامعة الجلفة..الجزائر…
لقد أثبت العلمُ أن الخلايا الإنسانية، على كثرتها الهائلة، تحتاج إلى تجديدٍ دوريٍّ، وإلى نوعٍ من “إعادة الضبط” البيولوجي لاستقبال دورةٍ زمنيةٍ جديدة، تغيّرها الظروف المناخية والإيقاعات الحيوية.
ومع تعاقب الليل والنهار، ومرور الأعوام، يمضي عمر الإنسان وهو يمارس الأعمال التي جُبل عليها، بينما أعضاؤه البيولوجية تعمل في صمتٍ وانسجامٍ دقيقٍ،وتغير لا يملك معه الإنسان – ولو ملك أموال الدنيا ومقاليد سلطانها – أن يتحكّم في أدقّ تفاصيلها
. فانظر إلى المعدة والامتصاص المعوي، كيف يُقدَّر لهما أن يمدّا الدم بعناصر الحياة، فيجري في العروق رزقٌ ساقه الله تعالى بحكمةٍ وإحكام. وقد قال الله سبحانه:﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21 وقال أيضًا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم: 40]. هذه الأعمال الفيزيولوجية التي تقوم بها الأعضاء البشرية تتمّ دون حولٍ من الإنسان ولا قوة، وإنما هي تسخيرٌ من الخالق البارئ المصوِّر. وكل خليةٍ، وكل عضوٍ، آيةٌ من آيات الله في الخلق، قال تعالى:﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. وقال سبحانه أيضًا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
وإذا كانت الأنثروبولوجيا قد نظرت إلى الإنسان في كليّته البيولوجية والثقافية، فإن بعض روّادها الغربيين – مثل دوركايم – قد أكّدوا أن الطقوس الدينية ليست مجرد أفعال فردية، بل هي آلياتٌ لإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي وتجديد المعنى الجمعي للحياة.
جعل الله تعالى لهذا الجسد محطةً سنويةً للتصفية والتزكية، تمتد ثلاثين يومًا، وهو شهر رمضان، الذي “يُرمِّض” الذنوب، أي يحرقها ويُطهِّر منها، وتُصفَّد فيه الشياطين. قال رسول الله ﷺ:«إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» (متفق عليه.
وفي هذا الشهر يبقى الإنسان حرًّا من كثيرٍ من المنغصات الروحية، صافي الوفاض، مهيَّأً للتزكية والتوبة. بل إن الله تعالى أكرم عباده فيه بمضاعفة الأجور، فقال في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
ومن الخطأ أن ننظر إلى رمضان نظرًا شكليًا يقتصر على تفاوت الليل والنهار أو الامتناع الظاهري عن الطعام، بل يجب أن نتأمل أثر الجوع المنضبط في تهذيب السلوك. فالجسد في رمضان يخفّ ويستعيد نشاطه، إذ تُتاح له فرصة التخلّص من كثيرٍ من السموم، ويحدث نوعٌ من التجدد الخلوي. وقد أقرّ كثيرٌ من الأطباء أن الصوم المنظَّم يُحسِّن من عمليات الاستقلاب، ويُريح الجهاز الهضمي، ويُعيد التوازن للهرمونات.
غير أن الأثر الأعظم ليس بيولوجيًا فحسب، بل سلوكيٌّ وأخلاقي. فالجوع يُذكِّر الإنسان بحاجته، ويوقظ فيه الإحساس بالفقراء والمحرومين. وقد نبّه إلى هذا البعد الرمزي في الثقافة العربية المعاصرة مفكرون أنثروبولوجيون مثل عبد الله حمودي، حين أشاروا إلى أن الطقس الديني في المجتمعات الإسلامية ليس مجرد امتثالٍ تعبدي، بل هو بنيةٌ لإعادة توزيع القيم داخل الجماعة وترميم الروابط الاجتماعية.
وقال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (رواه البخاري.فالصوم ليس جوعًا جسديًا فقط، بل هو امتناعٌ عن المعصية، وضبطٌ للسان، وتزكيةٌ للقلب. وقد قال تعالى في الغاية من الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. وقال سبحانه: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]. فالتقوى هي المقصد الأسمى؛ أن يتحوّل الجوع إلى يقظةٍ، والحرمان المؤقت إلى صفاءٍ دائم.
ومع ذلك، تتدخل وساوس الشيطان – وإن صُفِّد – لتُزيِّن للإنسان الإفراط عند الإفطار، أو الغفلة عن جوهر العبادة، فيقع في براثن الذنب، صغيره وكبيره. والصائم الحق هو من يجاهد نفسه، ويُحسن إدارة شهوته، ويحوّل الجوع إلى مدرسةٍ للصبر. وقد قال ﷺ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ» (متفق عليه)، أي وقايةٌ وحصنٌ من المعاصي والنار.
إن الصوم كشعيرةٍ دينيةٍ يمتد أثره من مطلع الفجر إلى غروب الشمس، ومن ظاهر السلوك إلى أعماق السريرة، ومن المائدة إلى مخدع الإنسان، حيث تصفو العلاقة بين العبد وربه في خلوته. وهو – بلغة الأنثروبولوجيا الرمزية – إعادةُ تأسيسٍ سنويةٍ لمعنى الإنسان في علاقته بالمقدّس، .
رمضان ليس إطارًا زمنيًّا عابرًا، ولا دورةً تقويميةً تتكرّر في حساب الأيام، بل هو وقفةُ مراجعةٍ شاملةٍ لكيان الإنسان كلِّه؛ إعادةُ ترتيبٍ للعلاقة بين الجسد وروحه، وبين حاجته وغايته، وبين ضعفه وفطرته التي فُطر عليها. فيه يستعيد الجسد توازنه، وتتنفّس الأعضاء إيقاعًا جديدًا، وتدخل النفس في مدار التهذيب بعد طول انشغال. هو زمنُ تصفيةٍ داخليةٍ تُنقِّي الشوائب، وتردُّ الإنسان إلى صفائه الأول، حيث المعنى أسبق من المادة، والقصد أسمى من العادة.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]، فجعل الفلاح ثمرةَ التزكية، لا ثمرةَ الامتلاء. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]، فربط النجاة بسلامة الباطن قبل ظاهر الشأن. فمن أحسن الدخول إلى رمضان، وأحسن الإصغاء إلى رسالته، خرج منه وقد خفَّ حملُ الجسد، ورقَّ إحساسُ القلب، وصفا ميزانُ الروح. نسأل الله أن يجعل صيامنا صيامَ وعيٍ قبل أن يكون صيامَ امتناع، وقيامنا قيامَ حضورٍ لا عادة، وأن يكتب لنا في هذا الشهر تجديدًا للحياة الموهوبة، وتزكيةً للنفس، ونورًا لها….




































