مسرحيات مونودرامية للمتابعين.
مونودراما فلسفية….انسان مابعد الساعة.
ا.د حمام محمد جامعة الجلفة
كنتُ لا أزالُ أدقُّ النظرَ في ساعتِنا الحائطيةِ التي قدَّمها ابنُ خالتي، طالبٌ من فيلا روسيا، كان قد خرج في بعثةٍ إلى الروس، وظننَّاه لن يعود. أهدانيهاً لا زلتُ أنظرُ إليها مدقِّقًا نظري في تفاصيل يوميّاتها المتحرِّكة، ورقّاصِها الأشقر كان يندفع بهبوبه ناحيةَ الشمال، كأنَّه ريحٌ عاصية، والأصغر كان رحيمًا يتحرَّك في ثباتِ المحتضر، ينتظر استواءَ صورةِ الملك القابضِ للروح… لم يعد يُخيفني أن تتكلَّم الساعة، لأنها من قبل تكلَّمت دجاجة، وكرَّة، صاح ديكٌ، وخربشَتِ الآلةُ الحاسبةُ مليونَ عمليةٍ حسابية قدَّمت لي أرقامًا صحيحة، وجاءني الأمر كأنَّه لعبة، ونسيتُ أنني الأمس أعجوبةٌ غرائبية ستظهر في إنسان ما بعد الإنسان…
ناحيةَ الشمال من صالوننا الكبير كانت تظهر صورةٌ لمكعَّبٍ قيل إن رسوماتِ اللوحة الفسيفسائية رسمها وهو يطالع الشمس يريد أن يكلِّمها، وعيناه كانتا لا تقويان على مباهلة نور الشمس، كان حارقًا، ولم يعرف حرقته إلا كما قال الروس والامريكان في رحلاتهم المكوكية إلى كون العجب والمدارات والأجرام التي كان يتحرَّك فيها كوسموس بين أقاليم الفضاء العاتية في الظلمة،011 وتستمر المسافات والمرميات تروح وتجيء في زيٍّ يغطيه السليكون، وكان العالم كلُّهم اتفقوا على وجهٍ واحدٍ لساكني الفضاء، الطيّارون الماضون في المشي السريع بقوة القطع والسكين الحاد…
تقتفي هيولى عيوني، وخيالي يكاد يخرج من الجسم البلوري لعينٍ ذات فتلة وزين، كما كانت طبيباتٌ في مدرجنا بالصومام في معهد بن عكنون يُعجبن بعيوني ولم يعلموا عمري، فقد قيل لي ذات يوم: أنت أصغر رجل في رحلة الفضاء التي تنتظرك… وعيناي بشكلهما من وحمة أمي يشبهان عين نبيٍّ أوجدته لي خيالات حلمي، وإن طاهر…
الجو بين طبقاته كله ينذر أن الإنسان فعلًا خُلِق هلوعًا، اما أنا كنت أتميل عن الجزع وعن المنع كما الذي يحمل في يديه شيئين متناقضين: عن يمين فرحة، وعن شمال شمعة قد بدا زيتها يضيء أطراف بصمات كفّي الزوهري…
اللحظة التأملية ما زالت تكاشفني وأنا أتلو بلون بشرة أستاذ عثمان حين أُوكل أن يدرِّسنا مقرر الفرنسية نقلًا من الرياضيات،زمن خيخون وتعلَّمنا بساطة لغته، وفي العلوم الطبيعية كانت لنا أبحر يجرفها الريح لوحدها دون أن تخبرنا عن عمرها الجيولوجي… الوضع صحو، وأنوار الشمس تنفذ قاطبة من بارسيانات نوافذنا بكل حرية وبدون حياء، فأحيانًا تغطي وجوه إناثنا المستلقيات على أديم الحجرة الباردة، يا له من ضوءٍ كان يتدرَّب في حلِّ عقدة أوديب، إني لا أمازحه أحيانًا وأحسُّه إن جاء يتكشَّفنا من الداخل يظهر عوراتنا دون أريحية، تعسًا له من ضوء ساطع يحرق عرفنا ويريد أن يديثنا كما فعل في بني صهيون…
الورقة هنا لم تكن رابحة، لأن الآلة التي اقتنيتها طبقًا لتجارب الوسط المفتوح كلَّفتني أن أكسر أدوات قد اشتراها أبي من فرناكة، آخر جولة له في شاحنة البراك إلى الغرب، في دورية جاك… وهو يقطع المسافات كان جاك لا يشبه كلبًا ولا أسدًا، كان مجرد شاحنة لها مقود يشبه عجلة جار دوتس المنجر مؤخرًا في نواحي أقصر مما وصلت إلى دورية الشرف… كنت أحسد عمي حسان وهو يسطع بخطبة البحر: من ورائكم والعدو أمامكم… منها أصبحت صلعته توحي إليَّ بمآثر الرجل الذي أحببت، كم مرة مرَّ بجانبي ولم أكلِّمه، ولما قررت أن أكلِّمه لم أجد الموضوع، فتعاليت من نصف قيمتي الوسطية وقلت في قرار نفسي الأسطوانية: إني أقدِّر هذا الرجل الجميل، عمي حسان وهو في دورية..




































