الصوم بوصفه ممارسة أخلاقية لا طقسا شعائريا
.بقلم ابتهال عبد الوهاب
في مصر، كما في كثير من البلدان العربية، لا تمر أيام الصوم باعتبارها لحظة مراجعة أخلاقية، بل تتحول إلى موسم شعائري صاخب يزداد فيه التدين الظاهري بينما يتراجع المعنى الإنساني. الشوارع مزدحمة باللافتات الدينية، والشاشات ممتلئة بخطاب الوعظ، لكن الواقع يقول شيئا آخر.. خطب عن الأخلاق وصمت عن النفاق
مجتمعات تحكمها أنظمة تخاف من الوعي أكثر مما تخاف من الفساد، فتتحول العبادة من فعل تحرر أخلاقي إلى أداة ضبط جماعي
لا تقاس قيمة العبادات بكثرتها بل بما تتركه من أثر في الوعي والسلوك الفردي والجمعي. فحين تتحول الشعائر إلى عادات موسمية منفصلة عن مقاصدها الاخلاقية والانسانية تفقد جوهرها وتغدو شكلا بلا روح. ومن هنا تبرز المفارقة في مجتمعات تفرط في ممارسة الطقوس لكنها تعاني في الوقت ذاته ازمة قيم وانفصاما عميقا بين ما يعتقد وما يمارس.
الصوم في جوهره الفلسفي. ليس امتحان المعدة، بل امتحان الضمير. ليس تمرينا جسديا على الامتناع بل تجربة وجودية تعيد ترتيب العلاقة بين الانسان ورغباته وبين الفرد وضميره وبين الايمان والسلوك. فالفعل التعبدي لا يكتسب قيمته الاخلاقية الا حين ينبع من وعي داخلي بالمسؤولية لا من امتثال شكلي او خوف خارجي. وحين لا يفضي الصوم إلى تهذيب الارادة ولا ينعكس في احترام الانسان للانسان يصبح ممارسة بيولوجية خاوية من المعنى الاخلاقي.
حين يصوم المجتمع وتستمر منظومات الفساد، وحين تمتلئ المساجد وتفرغ القيم من المجال العام، نكون أمام مفارقة فاضحة.. طقوس في الممارسة وانحطاط في المعامله
لا معنى لصائم يغش، ولا لقديس يبرر القمع، ولا لمتعبد يصمت أمام سحق الإنسان. الأخلاق ليست زينة للدين، بل مقياس صدقه الوحيد.
لقد ربط سقراط الفضيلة بمعرفة الذات معتبرا ان اصلاح العالم يبدأ من الداخل. ومن هذا المنظور يصبح الصوم لحظة مساءلة نقدية للذات ووقفة تأمل في انماط العيش التي تكرس الانانية والعنف الرمزي واللامبالاة الاخلاقية. وهو في هذا السياق اقرب إلى ما سماه بول ريكور تطهير الذاكرة الاخلاقية حيث يعاد النظر في الافعال بوصفها مسؤوليات انسانية لا التزامات طقسية.
غير ان الخطر الحقيقي يكمن حين يختزل الصوم في الامتناع عن الطعام بينما تترك مساحات واسعة من السلوك اليومي اسيرة للكذب والنفاق واقصاء الاخر وازدراء العمل وتعطيل العقل. هنا يتحول الصوم من قيمة محررة إلى اداة تبرير ومن تجربة روحية إلى طقس اجتماعي يعاد انتاجه بلا وعي. وهو ما نبه إليه محمد اركون حين حذر من تقديس الشعائر على حساب النقد الاخلاقي معتبرا ان اخطر اشكال التدين هو ذاك الذي يصادر العقل ويغلق افق السؤال.
ان الفصل بين العقيدة والسلوك ليس خللا اخلاقيا فحسب بل ازمة معرفية عميقة. فالدين في بعده القيمي لا يقاس بمدى الالتزام الشكلي بالشعائر بل بقدرته على انتاج انسان حر وصادق ومسؤول. وقد عبر ابن مسكويه عن هذه الرؤية حين جعل الغاية من العبادات تهذيب النفس وتحريرها من الرذائل لا اخضاع الجسد لمجرد الحرمان.
من هذا المنظور يصبح الصوم الحقيقي صوما عن كل ما يحط من كرامة الانسان عن الكراهية والغل وتشييء الاخر واستسهال الظلم وتغييب الضمير. صوم عن التبعية العمياء التي تلغي الفردانية وعن النفاق الذي يجمل القبح باسم القداسة وعن الجهل الذي يتخفى خلف يقين زائف
الصوم الحقيقي هو صوم عن تبرير السلطة الجائرة، وعن تديين الفقر، وعن تسويغ القمع باسم الاستقرار. هو صوم عن النفاق الاجتماعي الذي يلعن الظلم سرا ويبرره علنا. صوم عن تحويل الدين إلى أداة لإسكات الجياع بدل أن يكون صرخة في وجه من جوعهم.
وهو ما ينسجم مع رؤية ايمانويل ليفيناس الذي جعل الاخلاق قائمة على مسؤولية الانسان تجاه الاخر لا على طقوس تؤدى بمعزل عن هذا الوجه الانساني.
ان اعادة التفكير في فريضة الصوم ليست دعوة إلى هدم المعنى الديني بل محاولة لانقاذه من التفريغ والابتذال. فالمجتمعات التي تعاني التخلف في العمل والابداع والتنمية لا تحتاج إلى مزيد من الطقوس بقدر حاجتها إلى استعادة البعد الاخلاقي للعقيدة وإلى وعي يرى في العبادة مشروعا انسانيا شاملا لا طقسا موسميا منفصلا عن الواقع.
في النهاية يظل الصوم امتحانا للصدق مع الذات قبل ان يكون التزاما دينيا. فمن لم يصم عن الشر والظلم والكذب والكسل العقلي فلن يصنع من صيامه قيمة ولن يضيف إلى العالم معنى. فالصوم حين يستعاد في افقه الفلسفي يصبح فعل تحرر وبداية طريق نحو انسان اكثر وعيا واكثر انسانية
ان الفلسفة تعلمنا ان القيم لا تولد من الطقوس بل من المعنى وان العبادة التي لا تعاد صياغتها في الفعل اليومي تتحول إلى قناع اخلاقي يخفي تحته العنف والكسل والنفاق. لذلك يكون الصوم الحقيقي ثورة صامتة على الداخل قبل ان يكون امتثالا للخارج.
ثورة على الكذب الذي نمارسه باسم الحكمة وعلى الظلم الذي نبرره باسم الطاعة وعلى الجهل الذي نقدسه باسم اليقين.
حين يصبح الصوم تمرينا على الحرية الداخلية لا على القهر الذاتي وحين يتحول إلى وعي نقدي يراجع المسلمات ويكسر الاصنام الذهنية عندها فقط يستعيد معناه الانساني.
الصوم الذي لا يترجم إلى موقف أخلاقي من السلطة الجائرة هو صوم مزيّف. لا قيمة لعبادة تمارس نهارا وتناقض في كل مؤسسة، وكل قانون جائر، وكل خطاب كاذب
الصوم الذي لا ينتج انسانا اكثر عدلا واكثر صدقا واكثر احتراما للحياة ليس عبادة بل عادة
الصوم محاكمة أخلاقية للذات، لا شهادة حسن سلوك ديني. فمن لم يصم عن الكذب، والظلم، والكسل العقلي، واستسهال الشر، فلن يصنع من صيامه قيمة.
والعبادة التي لا تترجم إلى معاملات عادلة ليست عبادة، بل عادة… وطقس بلا معنى. وعباده بلا روح
فمن خرج من صومه كما دخل إليه، بنفس الكذب، ونفس الخوف، ونفس القابلية للظلم، فقد صام الجسد وأفطر الضمير
صوموا عن النفاق والحقد، والغل، والشر، والأذى، وكسر الخواطر .. قبل أن تصوموا عن الطعام
صوموا عن اللهو بأعراض الناس وعن النميمة وعن التفاخر والغرور الاعمي قبل أن تصوموا عن المأكل والمشرب.
صوموا عن الغش والكذب




































