رسالة أنثى
قطرالندى السعد
بين أروقة الحياة المزدحمة .. هناك قلوب اختارت “التقاعد المبكر” من المشاعر .ليس كرها في الحب . بل رغبة في السلام
لسنوات طويلة رفعت تلك المرأة شعار الاكتفاء الذاتي .. تلك التي كان قلبها مفعم بالحياة..يرقص طربا لأغنية ..ويذبل كالزهر لصقيع الايام ..لم يكن قرارها بالعزوف عن الحب وليد لحظة غضب .بل كان تراكما لسنوات من النضج الذي أخبرها إن الاستقرار النفسي يكمن في البعد عن عواصف العاطفة .
بنت حول قلبها اسوارا من المنطق وحولت طاقاتها نحو العمل وبناء الذات حتى ظنت أن مسألة (الحب ) قد حسمت وأغلقت في ارشيف حياتها بغير عودة ..
العزوف عن الحب لسنوات يمنح المرأة نوعا من القوة الخفية ..فهي لم تعد تنتظر رسالة لتبدأ يومها ..ولا تبحث عن تقييم جمالها في عين رجل ..
كانت ترى في الحب فوضى لاتليق بنظام حياتها الهاديء ..وان وجود شريك هو مجرد إضافة قد تربك توازنها أكثر مما تثريه ..
يقولون إن الحب يطرق الباب عندما تتوقف عن انتظاره ..
لم يطرق بابها .بل دخل من نافذة لم تعلم بوجودها ..
لم يكن “هو ” يطابق المواصفات التي رسمتها في مخيلتها قديما ..لم يكن البطل الاسطوري ..ولا الشخص الذي يغمرها بكلمات الغزل ..أو دلال والدها ..منذ اللحظة الأولى
كان رجل عاديا بطريقة مذهلة ..دخل حياتها في سياق مهني ..أو ربما صدفة عابرة لم يكن في الحسبان ..حتما هناك عدة أسباب
هاديء ..إذ لم يحاول لفت انتباهها ..
وحقيقي لانه لم يرتد أقنعة مثالية
وكذلك مريح لان وجوده كان يشبه العودة للمنزل بعد يوم شاق ..
بدأت تلاحظ صمته يفهم صمتها وان احاديثهما الجانبية أصبحت الجزء الاجمل في يومها ..
وقعت في الحب …
وقعت في لحظة زعل بسيط جرى بينهما ..ليس لأنها كانت تحتاجه ..بل لأنها وجدت فيه انعكاسا لروحها التي ظنت أنها دفنتها تحت ركام العقلانية ..
الحب الذي يأت بعد عزوف طويل يكون أعمق .لانه لايقوم على الاحتياج أو الاندفاع العاطفي المراهق ..بل على الاختيار الواعي
لقد اختارت أن تفتح حصنها لهذا الرجل تحديدا ..لانه وبكل بساطة جعلها تشعر أن الحب ليس قيدآ بل هو الفضاء الذي يمنحها الحرية لتكون نفسها ..
لم يكن هذا الحب من طرف واحد..فقد وجد هو الآخر فيها مرساه الذي طالما بحث عنه ..بدأ يعبر عن وجدانه لا بالكلمات فحسب ..بل بالايحاءات المفهومة من خلال تصرفاته ..تلك التفاصيل الصغيرة التي لايلاحظها الا من احب بصدق ..
أصبح يقرأ صمتها قبل حديثها ويحتوي قلقها قبل أن ينطق لسانها ..
ومع مرور الوقت وجدت نفسها في حالة لم تعهدها من قبل ..لقد سقطت حصونها تماما ..وأصبح هذا الرجل جزءا لا يتجزأ من روتين روحها لدرجة أنها لم تعد تتخيل كيف كانت تعيش تلك السنوات الطويلة بدونه ..تسرق لحظاتها تلك الأغنيات المعبرة عن داخلها إليه فتطير بروحها إلى سماء الحب والهيام .
لكن ومع هذا القرب الشديد تسلل وحش قديم إلى مخيلتها .فبقدر ماكان الحب عميقا كان الخوف الذي يرافقه مرعبا .
بدأت تشعر بضريبة هذا التعلق .فمن لم يملك شيئا لايخشى فقدانه .أما الآن فهي تملك كل شي في نظرها وهذا هو منبع رعبها
تجسدت مخاوفها في ثلاثة محاور :
المستقبل المجهول : تلك الاسئلة التي تطرق رأسها في جوف الليل..إلى أين نحن ذاهبون .هل ستغيرنا الايام كما غيرت غيرنا
شبح الفراق : خوفها العميق من أن تنتزع هذه السعادة منها قسرآ بظروف الحياة أو تتقلب القلوب مما يعيدها إلى نقطة الصفر بقلب مثقل الجراح .
تعيش هذه المرأة في صراع دائم .قلبها يريد الاستمتاع بكل لحظة ..وعقلها يحذرها من أن “كل آت قد يرحل “..
أدركت أن العزوف الذي عاشته لسنوات كان درعا يحميها من هذا التمزق .لكنها رغم كل هذا الذعر الكامن في أعماقها تختار كل يوم أن تبقى معه ..لأنها أدركت أن الموت هو ألا يكون موجودا في يومها
وتركت المستقبل يأتي كما يريد






































