بقلم: ماهر اللطيف
استقللتُ سيارةَ أجرةٍ جماعيّة مع مجموعةٍ من الركّاب في اتّجاه العاصمة فجراً. جلستُ في المقعد الأمامي بجانب السّائق، فيما توزّع ثلاثة ركّاب على المقاعد الوسطى، ومثلهم في المقاعد الخلفيّة. كان الطّقس بارداً جداً في هذا اليوم الشّتوي من أيّام جانفي.
كانت السّيّارة تطوي الأرض طيّاً، تشقّ الرّياح، وتتجاوز السّيارات الّتي تعترضها باستمرار، لا تكترث بالمطبّات ولا بالحفر، حتّى كنّا نقفز عالياً، وتصطدم رؤوس بعضنا بسقفها. كان السّائق يبتسم ويقول لنا بهدوء ساخر:
«هذه طرقاتنا وبنيتنا التّحتيّة»،
من دون أن يعترف بذنبه عمّا سبّبه لنا من خوفٍ وهلعٍ وأذى.
كانت الموسيقى تنبعث من مذياع السّيارة، وتعلو أحاديث جانبية بين الرّكّاب، أمّا أنا فاخترتُ التّسبيح والحوقلة والبسملة وذكر الله، ثمّ تلاوة ما تيسّر لي من القرآن الكريم، إلى أن بلغنا أحواز العاصمة.
بعد دقائق، شرع بعض الرّكّاب في النّزول تباعاً، كلٌّ حسب وجهته والمكان المقصود، إلى أن صاحت عجوز كانت تجلس خلفي في المقعد الأوسط:
– سُرِقت! توقّف يا بنيّ، اقتفِ أثرَ هذا الشابّ الّذي كان يجلس بجانبي!
– (أحد الركّاب، مهدّئاً): تفقّدي أمتعتك جيّداً يا أمّاه قبل أن تتّهمي النّاس.
(وأصوات مكابح السّيارة تقطع سكون المكان وهدوء المنازل الممتدّة يمنةً ويسرة).
– لا! لا! أنا متأكّدة أنّه سرقني. لمحني وأنا أفتح حافظة نقودي وأستخرج منها ثمن السّفرة، فرأى حزمة الأوراق النّقديّة، وخواتمي الذّهبيّة، وبطاقة تعريفي الوطنيّة، ومفتاح منزلي. شرع في تبادل الحديث معي وأنا أغلق المحفظة وأعيدها إلى جيب معطفي بجانبه. مزح معي، وضحكنا طويلاً، وكان من حينٍ إلى آخر يقترب منّي حتّى تتلاصق أكتافنا وظهورنا، لكنُه في إحدى تلك اللّحظات سرق المحفظة بسرعة وببراعة ومهارة.
– (راكبة أخرى): فتّشي قليلاً يا حاجة…
(تتفحّص وجهها جيّداً وقد تغيّرت ملامحه): لا إله إلا الله.
نزل السّائق مسرعاً، ونادى الراكب الُذي غادر السّيّارة، لكنّه لم يلتفت ولم يُلبِّ النّداء، إلى أن غاب عن الأبصار وولج أحد أحياء المنطقة. أخذت المسروقة تدعو على السّارق، تمطره بأوصافٍ سيّئة، وتتمنّى له الموت، وتلعن نوعه، حتّى اقشعرّت أجساد الركّاب، وطلبوا منها الكفّ عن ذلك والاكتفاء بقول:
«حسبي الله ونعم الوكيل».
تبرّع راكبٌ ببعض المال تعويضاً لها، تبعه آخر، ثمّ آخر. ورفضت تلك الفتاة المساهمة في هذه الحملة، وهي تستغفر الله وتذكره كثيراً، وامتنعت عن تفسير موقفها، منذ طلبها رؤية وجه العجوز إلى تلك اللحظة.
وهذا ما أعاد إلى ذاكرتي حادثةً مماثلة وقعت منذ مدّة في سيارة أجرة أخرى، حين ادّعى شابٌ آنذاك أنّ ماله سُلب منه من طرف راكبٍ نزل بقريةٍ لم نصل إليها. بكى، ودعا، وفعل ما بوسعه. غير أنّنا اكتشفنا لاحقاً، بعد نزوله من السّيارة، ومن خلال السّائق الّذي خاف منه ومن ردّة فعله آنذاك، أنّ هذا الشّاب اتّخذ من هذا المشهد مهنةً، يعيدها باستمرار يوميّاً ليتحايل على النّاس ويسلب أموالهم بهذه الطّريقة البشعة.
كما أعلمنا أنّ أحد السّائقين كشف أحدهم مرّةً أمام الجميع، فَقَفَز ذلك المحتال من السّيارة وهي تستعدّ للتّوقّف، وتوعّده بالقصاص. وفعلاً، طعنه لاحقاً طعناتٍ متتالية حتّى لفظ أنفاسه الأخيرة، ثم سرق السّيّارة.
فهل تكون هذه العجوز أيضاً من ممتهنات هذه الحيلة، بما أنّ تلك الفتاة طلبت تفحّص وجهها ولم تتكلّم، ثم رفضت مساعدتها ماليّاً؟ أم تكون فعلاً قد تعرّضت للسّرقة كما ادّعت، واختلط الأمر على الفتاة فارتابت في شأنها؟
على كلّ حال، فقد ساهمتُ في هذه الحملة، وتبرّعتُ ببعض المال، تاركاً أمر هذه العجوز، وصدق روايتها أو كذبها، عند الله الّذي لا يضيع أجر المحسنين.







































