أخطاء لا تمحى
بقلم: مصطفى كامل الشريف
لم أعد أمسك بالممحاة كالأطفال حديثي التعلّم؛ عندما يخطئون يمحون أخطاءهم بلا شماتة.
فكتابة الأقلام الجافة
للأسف لا تُمحى،
ومع كل خطأ كانت الورقة تُمزَّق وتُلقى في صناديق القمامة.
إنها نظرية طبيعية: هناك أخطاء تُمحى فنعاود الكتابة على الورقة، وأخرى لا تُمحى… لأنك سيد موقفك. وصاحب القرار
فأنت احتفظت بالقلم الجاف وبكل الدفاتر، ظنًا منك أنك لن تُخطئ.
وتناسيت أن الممحاة لابد أن تظل في جيبك؛ كلما تقدمت وأخطأت… محوت.
ولكن هيهات!
كبرِياء يرفض الاعتذار، يرفض الممحاة، ويصرّ.
امتد بك العمر، والحياة علمتك دروسًا وعِبرًا ومواعظ وأشخاصًا… كان بعضهم لا يستحق أن يُكتب اسمه على ورقتك بالقلم الرصاص، وكان لزامًا أن يُكتب بالحبر.
هذا صديق لك… تمحى ورقته، ولن تُمزّق.
فهي أشياء عندما تعاود بحثها، كانت ثمينة ككنوز ظننت أنك الفائز الوحيد بها، وعندما وضعتها تحت المجهر… ظهرت كل العوالق والشوائب.
والاختبارات أوقعت حبات الرمال من الغربال.
وتمنيت لو عادت سنوات الطفولة.
لم يكن خطأ الكتابة وحده هو من يستحق المحو، بل أيقنت أن هناك علاقات وصداقات غير سوية، وأصدقاء فتحنا لهم القلب والعقل وهم مجهولو الهوية، وأخطاء ظنناها صوابًا وهي في عداد المنسية.
ومن منا ليست له عداوات؟
ومن منا لا تُقام له مجالس تأكل في لحمه بغيابه؟
هذه سنة كونية…
ولكن الطعنة سوداء القلب، المميتة، تأتي بيد من كانوا رفاقًا… إخوة… أحباء مقربين.
كلها مسميات تُجيز دخول البهو، وتُجيز التسليم… لكنها الضريبة الباهظة لحسن النوايا.
كم من حبيب خُدع، وكم من صاحب ذهب إلى عدوك، وكم من صدمات يتلقاها الإنسان لا تُصدق، من أقرب يد كان يظنها المنقذة.
الداء والدواء…
كن كالذئب يقظًا.
فالصغار يمحون الأخطاء، وبالطبع ينسونها.
ولكن عندما كبرنا، مثلنا وبالغنا نأخذ الصفحة بأخطائها ونتفنن في تفتيتها، وتناسينا
الصورة بالألوان، بالعقل، ومعقودة بالشرايين والأوردة.
حتى ولو تمت الفلترة الظاهرية…
لابد من عمل جرد من وقت لآخر.
للأحباب، للأصحاب، للأخطاء…
فإذا كنت مؤمنًا، فلن تُلدغ من الجحر مرتين.
ولا بد من عمل “ريفرش” للحياة.
ضع أصدقاء المصلحة في قالب، والإخوة في قالب، والأحباء في قالب، والضاحكين والمتسلقين في قالب… وهكذا تُرتِّب حياتك كما كنت طفلًا.
فهناك أشياء لا تُباع للعابرين:
كالأسرار، والوقت، والمشاعر.
لأن معظم الجرائم تأتي من جسور أقمنا قواعدها بالفضول.
فالصدمة وعدم التصديق للمغدور… شمعة قتلتها فتيلتها.
ومداخل رياح الحب والربيع والأنس… هي نوافذ الثقة التي ألقينا زجاجها على الأرض، فكانت هي المؤدية للخُذلان.
فمحاكم التفتيش الذاتي للذات، والتدقيق… كفيلة باستتباب أمنك وسلامتك.
مع ترك مساحة كافية مع كل من تتعامل معه.
فلا تُدخل حبيبًا لقلبك دون تفتيش، لشعورك بجوع المشاعر.
ولا تُدخل صديقًا حياتك دون حذر، لإحساسك بالوحدة.
ولا تأمن على نفسك وأنت بمرمى النيران…
فربما جاءتْك الطعنات من اليد التي أطعمتها من لحم الكتف..






































