سلسلة الاعلام والذكاء الاصطناعي الجزء الثاني.المقال رقم 5…
بقلم …ا.د حمام محمد ..الجزائر
مسقط الرأس بين الواقع الفيزيائي والفضاء الرقمي: حنين البيت في الواقع الافتراضي”
يرتبط الفرد بمنزله أو مسكنه وبيته في وطنه الذي انتسب إليه بفعل الهوية والتاريخ والمصاهرة والقرابة، فصار الوطن أكبر مما نتصور. ومن هذه اللفتة الذكية، نحاول معالجة فكرة العلاقة الترابطية بين مسقط الرأس الفردي والواقع الافتراضي، وهل يمكن الاحتفاظ بموضوع مسقط الرأس الافتراضي؟
قد يبدو هذا الموضوع فلسفيًا، لكنه واقع علمي، إذ أوجدت التكنولوجيا “أسنانًا افتراضية” تحوز على مساحة فضائية وعلى قرابة عائلية وتتابعية، مما يعقد فعل الانتماء إلى المكان الفيزيائي.
يشهد الواقع إنسانًا يعمل في صمت خارج نطاق الانتماء المكاني أو الواقعي، وهذا ما بات مألوفًا فيما نراه اليوم. هناك عوالم جديدة وأفراد تنقلوا ليسكنوا “الفضاء الأزرق” بكل الإمكانيات التي وفرها العالم الافتراضي.
أولًا، سنبحث العلاقة الترابطية بين الفرد وبيته، الذي يأويه ويقضي فيه كل ساعات حياته، وهو الدرس الوحيد المفهوم بتفاصيله ومقتنياته وعناصره التي يستطيع الساكن أن يجيب عن تفاصيلها يوميًا، لأنه يحفظها بالمعايشة. فالقول هنا يرتبط بالمعايشة الفيزيائية؛ فيشعر الفرد بحنين غير قابل للوصف، فإذا غاب عن مسكنه ولو لساعات، يعود ليطلق سراح ضوابط المجتمع المحرم عليه كشفها خارجيًا، لكنه يضعها في مكانها الطبيعي الإنساني داخل البيت.
ان البيت البيت الشخصي هو العالم الآخر الذي يحتوي عيوبنا النفسية، وهو المكان الوحيد الذي يجبرنا على تصفية سلوكياتنا وترتيبها قبل الخروج لمواجهة الضوابط الاجتماعية المتفق عليها. ومن هنا تنبع قداسة البيت ومرتبته، إذ شعر الإنسان بأنه سيكون أكثر حرية داخله، يعيش الحنين المستمر الذي لا ينقطع، مبرمجًا تلقائيًا وعصبيًا للعودة إلى “وكر” سماه الاجتماعيون مسقط الرأس، مع اختلاف بسيط في مكان المولد أو المعايشة. وهذه أطر اجتماعية اتفق عليها غالبية المجتمع بتأثير النخبة، ولها الحجية والضرورة الماسة. فالقاعدة العامة تقتضي وجود منزل يسكنه الإنسان، وله شعبيًا تسمية “قبر الدنيا”، أي أنه مرتبط بالدوام البشري.
لم يعد في أي عصر الهروب خارج المسكن إلا في حالة الخروج من المكان الفيزيائي في زمن الإنترنت، حيث أصبحنا نفكك الصمت بكل ما نستخدمه في البيت المقدس أو الخاص. هنا يوجد نوع من التعدي على القداسة المسكنية إذا أصبحت البيوت مكشوفة على عالم أكبر، وهو أمر لاحظت خصوصياته التنظيمات المختلفة. لكن الفرد هو الذي ينقل الخصوصية، وليس الآخر، سواء لأسباب نفسية أو دعائية، ولا يهم ضبط هذه الظاهرة بقدر الإشارة إليها، لأن آلية الضبط لمعرفة سبب السكن خارج حدود المكان تحتاج إلى دراسات وصفية مسحية طويلة المدى.
لا يمكن المرور على معادلة البيت الافتراضي أو الفيزيائي إلا من خلال دراسة أنثروبولوجية تستدعي توظيف المنهج الإثنوغرافي لمعرفة المقومات والضوابط والأسباب التي تدفع الإنسان للاعتقاد في التنقل إلى بيت افتراضي يسكنه بما هو جيد، كما لو كان يعاين لحظة خروجه من المسكن العادي في الحي الفلاني. ومسألة التمسك بالوكر والبيت أصبحت قابلة للنقاش مادامت الخصوصية المعترف بها تسمح بعرض كل التجهيزات وحتى السلوكيات العائلية على الجمهور، مما يعني ضرب السرية أو القداسة الاجتماعية بين الواقعيين.
نعاني أزمة تنقلية أصابت منحنيات الإفصاح والرغبة في الهروب من واقع مليء، كما يظن الساكن، بالضوابط الاجتماعية. في المقابل، هناك واقع يستطيع أن يتجول فيه الفرد ويتعامل فيه بطريقة خفية عبر الخدمات المختلفة في التسوق والتجارة الإلكترونية. فالرجوع إلى مسقط الرأس يبقى حقيقة تختلف من مستخدم إلى آخر. المستخدم الذي يحدد مشاهده ويتفاعل معها يظل مسقط رأسه هو العالم الافتراضي، مع الاحتفاظ بجنسية المكان التي يجب ترسيخها أكثر، لأن البعد الهوياتي لا يقبل المسح أو الذوبان، والعالم الرقمي لا يهتم بفكرة الذوبان، فيظل التفاوت قائمًا في مجالات الحياة.
يبقى مسقط الرأس هو الرقعة الجغرافية التي منها عرفنا العالم، فهو أكثر من شهادة ميلاد، بينما في الفضاء الإلكتروني أصبح بلا حدود، رقعة واسعة غير مرئية، يصعب رفع العلامة فيها، لكنه يصنع الاعتراف الكاريزماتي أو الحضوري. صار مسقط الرأس الجغرافي يقاس بالمكان والحي والعائلة، بينما مسقط الرأس الافتراضي يُقاس بما يكتبه الأفراد ويفكرون فيه، فالاسم وحده بلا معنى، والصوت بلا صمود لا يُسمع.
أصبح الفضاء الرقمي مركز الثقل الجديد؛ فالمدينة أو الجامعة لم تعد تصنع الكاتب أو المثقف، بل الحساب الرقمي والمنصة والتفاعل المستمر هي من تمنح الحضور والاعتراف. يعيش الكثير من الافتراضيين اغترابًا مزدوجًا: مهملين في واقعهم الاجتماعي، ومحتفى بهم في فضائهم الرقمي، غير أن الاعتراف لا يمنحهم جذورًا أو أمانًا دائمًا. لقد تغير معنى الانتماء والوطن؛ لم نعد ننتمي لمكان ميلادنا فقط، بل لأفكارنا ومساهماتنا الرقمية.
ولهذا، فإن الرجوع إلى البيت العائلي الذي يعيش فيه الفرد حياته كاملة، هو البيت المثالي، إذا تعامل نفس الساكن مع الافتراضي على أنه خزانة مكتبية جديدة يضع فيها كتبه ويخبئ ذكرياته، لا أن ينشر كل شيء للجمهور. عندها فقط نقول إن الواقع الافتراضي سلبه البيت ومسقط الرأس دون ان ننسى قداسة الوطن الحقيقي… وهذا ما جرى بالفعل.
وفي الاخير من الافضل هو إيجاد توازن بين الانتماء الفيزيائي لمسقط الرأس والانغماس في الفضاء الرقمي، بحيث يحافظ الفرد على قداسة بيته ومكان ميلاده في الواقع، وفي الوقت نفسه يستفيد من الإمكانيات الهائلة للفضاء الافتراضي دون أن يفقد هويته أو جذوره. الهدف أن يصبح البيت الحقيقي والبيت الرقمي مكملين لبعضهما، لا متنافرين، بحيث يشعر الإنسان بالحنين والأمان في عالمه المادي، ويجد الحرية والاعتراف في عالمه الافتراضي، مع الاحتفاظ بالثقل الهوياتي والانتماء الوطني.







































