صانعُ الإنسان في زمنِ الإقصاء
ويلٌ لأمّةٍ تُهينُ معلِّمَها
ثمّ تظنُّ أنَّ الفعلَ عارضٌ اجتماعيٌّ لا دلالةَ له.
فالازدراءُ هنا لا يُصيبُ فردًا، بل يطالُ المعرفةَ بوصفِها معيارًا للشّرعيّةِ، وأداةً للتّمييزِ بين الحقِّ والباطل.
في منطقِ “أفلاطون”
حين يُكسَرُ مقامُ المعلّمِ، لا يعودُ الحُكمُ بِيَدِ مَن أبصروا النّورَ، بل يتقدّمُ مَن لم يغادروا الكهفَ، فيقيسون الحقيقةَ بما يريحُهُم، ويمنحون السّلطةَ للرّأي لأنّهُ أسهلُ من الفَهم، وأعلى صوتًا من الحِكمةِ.
ولم تكُنْ محاكمةُ “سقراط” سوى اللّحظةِ الّتي أعلَنَتْ فيها المدينةُ، من غيرِ أنْ تدري، أنّها آثرَتْ راحةَ الجهلِ على قلقِ السّؤال، وأنّها بإدانةِ المعلّمِ مهّدَتِ الطّريقَ لانحطاطِ ميزانِها الأخلاقيّ، حتّى صارَ الحُكمُ لِمَن يُرضي الجمهورَ، لا لِمَن يُنقذُه من نفسِه.
وفي فلسفةِ “كانط” لا تقومُ الأخلاقُ إلّا على احترامِ العقلِ، ولا يُصانُ العقلُ حين يُهانُ مَن يوقظُهُ ويهذّبُهُ.
فالمعلّمُ ليس ناقلَ معرفةٍ، بل حارسُ مبدأِ الواجب، وشاهدٌ على أنّ الإنسانَ غايةٌ لا أداة، وأنّ الاستحقاقَ يسبقُ المنصبَ.
فإذا أُقصِي، لا يُقصى شخصُهُ، بل يزاحُ الشّرطُ الأخلاقيُّ للحُكمِ الرّشيد.
وحين لا يُقدَّرُ المعلّمُ، لا يصعدُ الجَهَلةُ لأنّهُم أكثرُ عددًا، بل لأنَّ المعاييرَ قد تلاشَتْ، ولأنَّ الأمّةَ—من حيث لا تشعرُ_سلّمَتْ مفاتيحَ الشّأنِ العام لِمَن لا يرى في المعرفةِ ضرورةً، ولا في السّؤالِ فضيلةً، ولا في المسؤوليّةِ سوى عبءٍ.
وهٰكذا يصبحُ تهميشُ المعلّمِ لا خطأً تربويًّا عابرًا، بل علامةً تاريخيّةً صامتةً على انتقالِ السّلطةِِ من العقلِ إلى الضّياع، ومِنٕ الكفاءَةِ إلى الصُّدفة.
وليس هدمُ البنيان، ولا تصدّعُ العمران، الدّليلَ الحاسمَ على انهيارِ الدّول،
فالحجرُ يُعادُ رفعُهُ في سنوات، والمدنُ تُرمَّمُ بإرادةٍ ومواردَ.
أمّا الإقلالُ من شأنِ طبقتِها الفكريّة، ودفعِ المعلّمِ إلى هامشِ الكرامةِ، فذٰلك هو الانهيارُ الّذي لا يُرى.
فحضارةُ الفكرِ لا تُبنى على عجل، ولا تُستعادُ بمرسومٍ، بل تُنسَجُ ببطءِ الأجيال، جيلًا يتعلّمُ الإصغاءَ، وجيلًا يُتقنُ السّؤالَ، وجيلًا يُدرِكُ أنَّ العقلَ هو أثمنُ مواردِ الأمم.
فقد تنهضُ مدينةٌ من ركامِها، لكنَّ أمةًً تُهينُ معلّمِها، فهي تحتاج أجيالًا لتتذكّرَ لماذا كانت حضارةً أصلًا.
فالبناءُ يُقاسُ بالزّمن، أمّا الحضارةُ فإنّها تُقاسُ بقدرتِها على إنجابِ العقلِ وحمايةِ مَن يصنعُه.
عايدة قزحيّا







































