أستاذتي…
لم تكوني يومًا امرأةً تحملُ طبشورًا،
ولا دخلتِ صفًّا،
ولا علّقتِ شهادةً على جدار،
ومع ذٰلك كنتِ أصدقَ مَن علّمني،
وأقسى مَن ربّاني،
وأعدلَ مَن أنصفَني.
تدخلين بلا استئذانٍ،
وتغادرين بعد أنْ تترُكي أثرًا لا يُمّحى.
علّمتِني بلا مناهجَ،
وامتحنتِني بلا مواعيدَ،
وكتبتِني سطرًا سطرًا
على ألواحِ القلبِ.
نجّحتِني حينًا ورسَّبتِني كثيرًا ولٰكنّكِ كنتِ في كلّ مرّةٍ تُكسِبينَني درسًا لا يُنتسى.
كنتِ تشرحين بالصّدَمات،
وتفسّرين بالعبَرَات،
وتُعيدين الشّرحَ بالخَذَلان،
حتّى أتألَّم فأتعلَّم.
لم تمنحيني شهاداتٍ،
لأنّكِ تعرفين أنَّ الفَهمَ الحقيقيّ
لا يُؤطَّرُ،
ولا يُعلّقُ على الجدران،
بل يَحفرُ في الرُّوح.
ومِن صفوفِكِ خَرَجتُ
أقلَّ براءةً،
وأكثرَ وعيًا.
وصِرتُ أعرِفُ أنَّ الثّقةَ ليست هبةً، وأنَّ القلوبَ لا تُقاسُ بما تقولُ، بل بما تفعلُ.
تعلّمتُ فيكِ كُلَّ فنونِ العذاب، وأنَّ الطّيبةَ إنْ لم يحرُسْها العقلُ
افترسَتْها الذِّئابُ، وأنَّ القلوبَ البيضاءَ قد تكونُ حظوظُها سوداء، وأنَّ بعضَ الابتساماتِ فِخاخٌ،
وبعضَ الصّمتِ نجاةٌ.
علّمتِني أنَّ الصَّبرَ ليس انتظارَ الفَرَج،
ولا ترقُّبَ الضّوءِ، بلِ القدرةَ على إشعالِ فتيلِ الرّوحِ في العتمةِ، والعيشَ بكرامةٍ،
حتّى في غيابِهِ.
وعلّمتِني أنّ القوّةَ
ليست في شِدَّةِ القبضةِ،
بل في القدرةِ على الإفلاتِ عندما يحينُ الوقتُ، وأنْ ألِينَ دونَ أنْ أنكسرَ، وأصفحَ وأتناسى دون أنْ أُنسى. وأحِبَّ بوعيٍ،
وأغفرَ بحدود،
وأمضي حين يجبُ الرّحيل.
وعلّمتِني أنَّ بعضَ الأبوابِ تُغلَقُ رحمةً، وبعضَ الخَساراتِ حمايةٌ، وأنَّ التّأخيرَ أحيانًا عنايةٌ إلٰهية.
كم كنتِ قاسيةً، يا أستاذتي!
نعم…
لكنّني أدركتُ مُتأخّرًا
أنّكِ قَسَوتِ لتُقَوِّيني،
وكسرتِني لتُعيدي تشكيلي بصورةٍ أفضل.
فأنتِ لا تصنعين النّاجحين باللُّطفِ وحدَهُ، بل بالعصا الّتي تُعلِّمُ الوقوفَ من دون سَنَدٍ.
أستاذتي الحياة..
لكِ الفضلُ أنّني صرتُ أختارُ لا أندفعُ، وأتريّثُ لا أنخدعُ، وأحِبُّ بوعيٍ، وأسامحُ بحدودٍ، وأمضي حين يجبُ الرَّحيلُ.
لم تكوني رحيمةً، لكنّكِ كنتِ عادلةً.
لم تمنحيني ما أردْتُ،
بل ما احتجتُ إليه
لأصيرَ أنا ذاكَ الإنسانَ الّذي لا يبحثُ عن تصفيقٍ، ولا يركضُ خلفَ أوهام.
شكرًا لكِ معلّمتي، ستبقَين أستاذتي الأولى والأخيرة… ومعينَ طموحي،
فكلُّ ما أنا عليه هو مُلخّصُ دروسِكِ الّتي لم تُكتَبْ بالقلم بل بإزميلِ الألم الّذي نحتَ كياني وصقَلَني، وجعلني تلميذًا متفوّقًا في مدرستِكِ.
حقًّا لولا قسوةُ الشّتاء لما عرفنا دفءَ الرّبيع،
ولولا الظّلامُ لما تميّزَ النّور،
ولولا الألمُ لما أدركنا قيمة التّعافي،
فالحياة تعلّمنا بالعسرِ قبل اليسرِ، لتظلَّ قلوبُنا واعيةً، وعقولُنا متيقِّظةً، ونفوسُنا مستعدّةً لكلِّ فجرٍ جديد.
عايدة قزحيّا
“مدرسة الحياة”






































