بقلم … للاإيمان الشباني
التربية الجنسية …
التربية الجنسية بمفهومها الصحيح يندرج ضمن القضايا الوجودية والأخلاقية التي تمس جوهر بناء الإنسان، لا باعتباره جسدًا فقط، وإنما كيانًا متكاملًا تتداخل فيه النفس والعقل والقيم. فالفلسفة حين تنظر إلى الإنسان، تنطلق من كرامته، وكرامة الجسد جزء أصيل من كرامة الروح، وكل معرفة لا تحمي هذه الكرامة تتحول إلى خطر بدل أن تكون وعيًا.
التربية الجنسية في معناها العميق ليست تلقينًا تقنيًا أو كشفًا مبكرًا لما لا يحتمله الوعي الناشئ، وإنما هي تربية على احترام الخصوصية، وفهم الحدود، وبناء علاقة سليمة مع الجسد بوصفه أمانة لا سلعة، وهوية لا مجال للعبث بها. الطفل الذي يُربّى على معرفة خصوصية جسده، وعلى حقه في الرفض، ينشأ وهو مدرك لذاته، محصّن من الاعتداء، قادر على التمييز بين القرب الآمن والتجاوز المؤذي.
أما في مرحلة المراهقة، فإن غياب هذا الوعي يترك فراغًا خطيرًا، والفراغ لا يبقى محايدًا، فهو يبحث عمّن يملؤه. حين لا تجد الفتاة الحنان الآمن في محيطها الأسري، ولا الاحتواء الواعي من الأب أو الأخ، قد تنجرف للبحث عن معنى الحب خارج سياقه الإنساني، فتقع في علاقات مختلّة داخل مؤسسات يُفترض أنها تربوية أو حمائية، فإذا بها تتحول إلى فضاءات استغلال وصمت وخوف. هنا لا يكون الخطأ في الرغبة في الحب، وإنما في غياب البوصلة التي تهدي هذه الرغبة.
ومن المنظور الفلسفي، فإن الجسد الذي لم يُربط بالقيمة يتحول إلى موضوع استعمال، والحرية التي لم تُقترن بالمسؤولية تنقلب عبئًا على صاحبها. الشابة التي لم تتعلم معنى الحرمات، ولا قدسية العلاقة الزوجية، قد تظن أن العطاء بلا حدود دليل تحرر، وهي في الحقيقة تخسر ذاتها تدريجيًا، لأن القيمة لا تُمنح من الخارج، وإنما تُبنى من الداخل.
التربية الجنسية الصحيحة هي تربية على النخوة قبل المعرفة، وعلى الكرامة قبل التجربة، وعلى الوعي قبل الانجراف. هي أن تتعلم الفتاة أن عرضها ليس عبئًا تخفيه ولا سلعة تساوم بها، وإنما قيمة تحميها لأنها تحمي ذاتها. وهي أن يتعلم الفتى أن القوة ليست في السيطرة، وإنما في الاحترام وضبط الرغبة.
في النهاية، المجتمع الذي يخاف من هذا النوع من التربية يترك أبناءه عرضة للجهل، والجهل لا يحمي الفضيلة. الوعي الأخلاقي المتدرج، المرتبط بالقيم الإنسانية والدينية، هو الطريق الوحيد لبناء إنسان يعرف نفسه، ويحترم جسده، ويقيم علاقاته على المعنى لا على الحاجة، وعلى المسؤولية لا على الوهم
بقلم … للاإيمان الشباني







































