إعلام الجواري وخلايا الاتصال بين التحديات التنظيمية وضرورة الاحترافية
إعداد: أ.د حمام محمد
أستاذ الإعلام والاتصال والأدب
جامعة الجلفة
يُعَد الإعلام الجواري إعلامًا تقريبيًا، يوضّح ويبيّن ويُطْلِع المتلقي ـ باعتباره صاحب الحق في المعلومة ـ على مختلف القضايا التي تهم محيطه، غير أنّه يبقى غائبًا في ظلّ التنامي المستمر لتكنولوجيات الاتصال والإعلام، التي باتت في متناول الجميع وعلى مختلف المستويات.
وهذا لا يُعجّل بحدوث أزمة جديدة، لأنّ أزمة استغلال المعلومة ومعالجتها لدى المتلقي هي ذاتها الأزمة الحقيقية. فالمتلقي يتلقى المعلومة دائمًا من وسائل اتصال متنوّعة، بعضها موثوق وبعضها غير موثوق، ما يولّد خليطًا يخدم التأويل الجمعي للمتلقّين على اختلاف مشاربهم. وهذا أمر يُشكّل بالفعل أزمة خانقة أمام الإعلام الجواري.
لقد جرى تحديد أطر تنظيم هذا الإعلام من خلال إحداث خلايا اتصال على مستوى دواوين الولاة، والمديريات، والوزارات، قصد تحسين فعاليته. وهنا لا نتحدث عن البدايات فقط، إذ افتقدت تلك الخلايا في وقت سابق إلى ميكانيزمين أساسيين:
الأول: الإمكانيات التقنية المتطورة.
الثاني: تخصّص القائم بالاتصال والإعلام، أو ما يُسمّى بالملحق الصحفي.
هذا الأخير يقوم بالمهام التكتيكية، التي تنبع من تجارب عملية في الميدان الاتصالي، بما أكسبه قوة تمكين للشخصيات الاقتصادية داخل مؤسساتها. وما كان نجاح هذه المهام في كبريات الدول إلا لوجود حرية مهنية للملحق الإعلامي والقائم بخلايا الاتصال.
وربما لا يُفهم للوهلة الأولى أنّ المؤسسة السياسية ـ رغم ثِقَل مهامها في الضبط الاجتماعي ـ هي في حاجة دائمة إلى ملحق إعلامي يُذلّل الصعوبات التي تعرقل العملية التواصلية. ومن بين هذه الصعوبات: السلوكيات المتباينة للممارسين، وتفسير المعلومة باعتبارها واجبًا عامًا متاحًا للجميع.
إنّ أي دورة تنظيمية لمشاريع القوانين لا بدّ أن تأخذ بعين الاعتبار معيار الضبط لضبط الظاهرة وجعلها مستساغة، خاصة إذا ضبطنا المفهوم. فالمفهوم قائم على تحليل سؤال جوهري: من له الحق في جذب المعلومة؟
ولا شك أنّ المواثيق الدولية قد أكدت أنّ الصحفي ينبغي أن يكون رجلًا موسوعيًّا أو عصاميًّا مجرِّبًا، متعلِّمًا أسس العمل الصحفي، ليكون مؤهَّلًا قانونًا عبر بطاقة الصحفي أو الأمر بالمهمة، وهو أمر مقصور على مجال تخصّص المعلومة.
ومع ذلك، أصبحنا اليوم أمام واقع جديد، حيث سمّى بعض المتتبعين أنفسهم “صحافيين”، وصار حاملو الهواتف المزودة بالكاميرات يُقدَّمون على أنّهم “مُلاحِقون للأخبار”، بينما في وقتٍ مضى، كان صاحب المهمة الإعلامية هو فقط من يملك الأساس القانوني والمهني، ضمن تنظيم يراعي الحقوق والواجبات الدستورية المكفولة للمؤسسة والممارس على حدّ سواء.
القائم بالاتصال هو الذي يرسم سياسة إعلام محلية بين المسؤول الأول على مستوى المجتمع الكبير، سواء كان والياً أو غير ذلك، وبين المؤسسات الخارجية للدولة. وهو الذي يزيل سوء الفهم بين الإدارة والصحفيين حول المعلومة، وفق ضوابط بطاقة الصحفي أو الأمر بالمهمة.
وفي السابق، كان عدد الممارسين قليلاً ومنتظمًا وفق قانون الإعلام، سواء في الصحافة المكتوبة أو البصرية. أمّا اليوم، ومع تزايد الصحافة السمعية البصرية، فقد أصبح من الضروري التعامل مع هذا القطاع، خصوصًا الخاص منه، باحترافية تضمن الحقوق والواجبات، حتى في ما يتعلق بطرائق التصوير وتناول الأحداث.
المنطقية الإعلامية تمضي مستقبلًا إلى رفض الصحافة “الصورولوجية”، التي تعتمد على مئات الصور وكلمات قليلة، باعتبار أنّ معالجة التداخل والاستعمال القانوني صارت حتمية في التفريق بين الإعلامي والمشهّر. وهذه المهمة لا يتولاها إلا ملحق إعلامي مُحترف، يفهم العملية الاتصالية أولًا داخل مؤسسات الدولة في إطار الاتصال الجواري، وثانيًا بين المؤسسات والمجتمع في نطاق الاتصال الجماهيري.
الميكانيزم المعتمد اليوم عالميًا هو: تقدير المعلومة التي تخدم الصالح العام، وليس الركض وراء معلومات آنية تُستهلَك سريعًا. فنحن بحاجة إلى صحفي يشرع في مهمة المصلحة العامة أولًا، ويُدرك قدسية المعلومة، ليكون هو المستحق للتكريم في العيد السنوي للإعلام، لا أن يُكرَّم يوميًا بدعوى كثرة الأخبار.
المسؤول الأول أو المدير له انشغالات كثيرة حدّدتها القوانين الأساسية، وليست من بينها الانشغال بالمظاهر. فالخرجات الميدانية للمسؤولين أحقّ بالبث المباشر، لا لتقدير قيمي، بل لأنها تكشف أحيانًا تقصير بعض الموظفين، وتمنح للرأي العام مادة حيّة ذات موضوعية. ولو نُشرت مثل هذه الانتقادات الميدانية لحققت الإعلامية رسالتها النبيلة.
إنّ خلايا الاتصال، من خلال عملها الاحترافي، مطالبة بتنظيم لقاءات دورية مع الإعلاميين المعتمدين قانونًا، وإبلاغهم ببرامج الزيارات الميدانية سلفًا، مع التركيز على انشغالات المسؤول الأول داخل محيط عمله. فالقائم بالاتصال هو الواجهة والخلفية معًا للمسؤول السامي. ومن خلال تعدّد الحوارات، تتحسن أواصر العلاقات الاجتماعية مع ممثلي الأسرة الإعلامية، ويُحدث التفاهم حتى في حالات الخصومة، حيث تبقى النصوص القانونية والقضائية الفيصل في حماية جميع الأطراف. وعندها فقط يظهر التفعيل القانوني لمشروعية العمل الصحفي.
يتبع.. الاتصال المظهري السياد.







































