سلسلة الانتربولوجيا والتصوف
المقال السابع
أ.د حمام محمد
الخشوع بين الروح والجسد: قراءة أنثروبولوجية ”
غالبًا ما يرتبط الخشوع بالمعية، وكلا العنصرين يخرجان من منبع واحد، وهو التقوى. فالتقوى هي مخافة الله في كل شيء في الحياة التي وضعها لعبادته سبحانه وتعالى، مع مراعاة أن الله قد ترك للإنسان نوعًا من الحرية في التصرف، محاسَبًا نفسه ومراقبًا أعماله. وهنا يظهر محبة الله لعباده من أمة محمد ﷺ، وضرورة العمل الصالح إنسانيًا.
فالخشوع، كما ذهب إليه العلماء من السلفية وأهل التصوف العارفون بالشريعة والحقيقة، وعلى منهج الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، هو سلوك لله سبحانه وتعالى، بمثابة الطريقة المثلى للارتباط الروحي والحسي بالله. الغزالي يوضح أن الخشوع يشمل الانقطاع عن كل ما يلهي الإنسان، والوصول إلى شعور واضح بالقرب من الله تعالى، وهو ما نسميه القرب الروحي أو الأرواحية كما أشار ابن رشد. فالأرواحية هي الدرجة السامية التي تتحرر فيها النفس بالصفاء الخالص من الكدورات، مع توجيه النية لله وحده، والاحتشام في التعامل مع الكبرياء أو النزعات الدنيوية، ومع العلم والإدراك بحقيقة التوبة، حيث يعلم العبد أن الله يقبل التوبة المتابَة، فينجلي الخوف المادي ليحل محله خوف من الرجوع إلى المعصية، مع اليقين بأن الله سريع الحساب (ابن رشد، 2003).
أساس الخشوع إذن هو الارتباط الكوني بالله تعالى بصفاته والعمل بها في أخلاق المؤمن الذائب في ملكوت الله. فهو الخالق القاهر الذي يمنح الخاشع خوفًا مرتبطًا بعظمته، بما يعين الإنسان على تجاوز السلوك الشيطاني. وهنا يكون الفصل بين السلوك الشيطاني والعلاقة الخشوعية ضروريًا، ليظل الخشوع نابعًا من الوعي بالله لا من مجرد الخوف أو الرهبة.
لقد استقر رأي علماء الأمة على أن الخُشوع يتجلى في الصلوات الخمس، وإدراك المؤمن في تلك الأوقات بأنه واقف أمام الله تعالى، الذي بيده كل شيء، وأنه القادر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، وأن الرحمة الإلهية واسعة، لكن في الوقت نفسه هناك محاسبة وعقاب صارم لكل فعل. فالخشوع حالة وجدانية وقلبانية تنعكس على السلوك قبل الدخول في الصلاة أو أثناءها، وهو فضاء روحي يهيئه العبد لنيل القرب من الله تعالى.
من منظور الأنثروبولوجيا، يمكن القول إن الخشوع هو حالة وجدانية وثقافية تُدعم بتعليمات دينية وأدعية ثابتة عن النبي ﷺ، وليس مجرد ابتكار شخصي (Turner, 1969). فهو يعكس وعي الإنسان بعظمته وقدرته، وبالنية الصادقة والتوجه القلبي نحو الله. إن الممارسات الطقسية، مثل الوضوء، والسكينة قبل الصلاة، هي أدوات إثنوغرافية لتثبيت حالة الخشوع في النفس، بما يتوافق مع ما أسماه علماء التصوف “فضاء الخشوع” (الغزالي , 1998).في القرآن الكريم، نجد إشارات إلى الخشوع في عدة مواضع، منها قوله تعالى:«قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ» (المؤمنون: 1-2)كما جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ:”إن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء” (مسلم، 2005.
فالخشوع إذن ليس مجرد انحناء جسدي أو خفض صوت، بل هو تجربة وجدانية متكاملة تشمل الجسم والروح والفكر، وتهدف إلى إدراك عظمة الله والانصياع لإرادته، وتجسيد الأخلاق الفاضلة في السلوك اليومي. وكلما ارتقى الإنسان في خلقه وسلوكه اليومي، سواء في علاقته بنفسه أو بمحيطه، زاد خشوعه، وتجلّت له حقيقة الدعاء والاتصال بالمعية الإلهية.
فالله سبحانه وتعالى قد سهل قربه من الإنسان، كما جاء في كتابه العزيز:«وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ» (البقرة: 186). بهذه الآية، يظهر أن البداية الأولى للخشوع تكون بالاعتماد على الله وحده في الدعاء وطلب الرزق، دون الالتفات إلى غيره. ويُلاحظ هنا أن الخشوع لا يتحقق بمجرد الاعتقاد النظري، بل يتحقق عند إدراك الإنسان يقينًا أن الله هو الرزاق وأن الكسب من لدنه، مصحوبًا بأخلاق الاعتقاد والخوف من الله في كل سلوكاته، نحو كل ما هو خير، والابتعاد عما يعداه، مع إعلان التوبة والاستغفار والصلاة، والمواظبة على التفكر والخضوع لله تعالى.وهنا يتضح معنى المعية، كما شرحها علماء التصوف، مثل ابن عربي، الذي قال:”المؤمن إذا صار قلبه موصولًا بالله في كل وقت، صار في معية الله لا يفارقه، فلا يرى إلا الله في كل شيء” (ابن عربي، 2002 فالخشوع هنا هو وعي مستمر بوجود الله بالقرب منه، والإحساس الدائم بحضوره، وهو ما يُسميه الصوفية بـ”المعرفة القلبية”، ويشير إليه الحافظ ابن القيم بقوله:”الخشوع موضعه القلب، والصلوات له وسيلة، وهو أن يغلّب القلب حضور الله على كل غفلة” (ابن القيم، 2004
بهذا الفهم، يصبح الخشوع فضاء داخليًا ووجدانيًا يدعم العلاقة بين العبد وربه، ويؤسس لسلوك أخلاقي متكامل، يشمل الصلاة، الدعاء، التفكر في مخلوقات الله، والعمل بالنية الصادقة، بحيث يصبح الإنسان في حالة قرب دائم من الله تعالى، وهي الحالة التي تجعل كل عبادة مشبعة بالإحساس بالمعية الإلهية.
يتبع في حلقتين







































