ثمن الجوار
اشتدّ العوز بإدريس، وضاق به الحال، فعزم على بيع داره. فسوّمها أربعين ألف درهم، وهي – في نظر من رآها – لا تبلغ عشرة آلاف. فلمّا أتاها المشترون، تعجّبوا من غلاء ثمنها، وقال أحدهم:
«يا هذا، إن دارك متواضعة، لا تُقوَّم بأكثر من اثني عشر ألفًا».
فابتسم إدريس في سكينة الواثق، وقال:
«صدقتُم؛ فالدّار بعشرة آلاف، وأمّا الثلاثون فثمنُ الجوار… جوار أبي حمزة».
قالوا: «وكيف ذاك؟»
قال: «وكيف يُشترى جوارُ رجلٍ عُرف بالصّلاح والمروءة والأمانة بثمنٍ يسير؟».
فبلغ الخبر أبا حمزة، فغضب غضبة الكريم لا غضبة المتكبّر، وأسرع إلى جاره، وقال:
«ويحك يا أخي! أتجعلني سلعةً تُزاد في الأثمان؟ والله ما كنتُ جارًا لأُباع، ولا معروفًا ليُتَّجر به».
ثم أخرج من ماله ما سدّ حاجة إدريس، وقال:
«أقم في دارك، فوالله إن ضيقَ العيش أهون من فراق الجار، وإن البيوت تُعوَّض، وأمّا الجوار الصّالح فلا يُعوَّض».
وأبى أن تُباع الدّار بسببه، وأمر جاره أن يردّ المشترين، وقال:
«من جاورني فله النّصرة لا الثّمن، وله المعونة لا المساومة».
فذاعت القصّة بين النّاس، وضُرب بأبي حمزة المثل، وقيل يومئذ:
ليس الشّرف في الدّيار، ولكن الشرف في الجوار.
ولمّا انتشر خبر أبي حمزة في المدينة، بلغ رجلًا يُدعى سعدان، وكانت له زوجة سيّئة الخُلُق، تؤذي جيرانها ليلًا ونهارًا، لا يخرج من فمها إلّا السّباب، ولا يعرف بيتها الهدوء ولا السّكينة. وكان الجيران صابرين محتسبين، يكظمون غيظهم رجاء أن يهديها الله.
فلمّا سمع سعدان بقصّة إدريس وأبي حمزة، قال في نفسه متعجّبًا:
«عجبًا! يُقدَّر الجار الصّالح بثلاثين ألفًا، أفلا أُقدَّر أنا بأكثر من ذلك؟».
وفي تلك الأيام، اضطرّ أحد الجيران إلى بيع داره لقضاء دينٍ أثقله، فعرضها بثمانية آلاف درهم. فأقبل المشترون واستحسنوا الدّار، وهمّوا بالشّراء. فلمّا سألوا عن الجيران، أُخبروا بسوء جوار سعدان وزوجته، فانصرفوا واحدًا بعد واحد، وقالوا:
«الدّار حسنة، ولكن الجار رديء، وسوء الجار يُفسد أحسن الدّيار».
فلم يجدِ الرّجل من يشتري داره، لا بثمانية آلاف، ولا بستة، ولا حتّى بأربعة، واشتدّ به الكرب، وخشي الحبس في الدّين.
حينئذٍ أقبل سعدان مختالًا، وقال:
«يا جاري، أما سمعت بقصة إدريس وأبي حمزة؟ إن الجار الصّالح يُزاد في ثمن الدّار، فكيف بالجار مثلي؟».
فنظر إليه جاره نظرةً حزينة، وقال بهدوء:
«صدقتَ يا سعدان، فالجار له أثر في ثمن الدار».
ثم أردف:
«لكنّك نسيتَ أمرًا… الجار الصّالح يُزاد بسببه، والجار السّيّئ يُنقَص بسببه. كانت داري تُساوي عشرة آلاف، فأصبحت بجوارك لا تُساوي أربعة. فإن كان لأبي حمزة ثلاثون ألفًا زيادة، فلك ستة آلاف نقصان».
فتغيّر وجه سعدان، وأطرق رأسه خجلًا. وقال له جاره:
«أتدري لماذا عُدّ جوار أبي حمزة بثلاثين ألفًا؟ لأنّه كان للناس أمانًا وسكنًا، فأحبّوه وكرّموه. وأنت وزوجك جعلتما الجوار شقاءً، فنفر منكما النّاس».
ثم قال:
«الجار السيّئ كالسّوس في الخشب، يُفسد ما حوله وهو لا يشعر. ومن طلب الكرامة بإيذاء النّاس لم يحصد إلاّ الذلّ».
فارتعد قلب سعدان، وقال بصوتٍ منكسر:
«عفوًا يا جاري، لقد أسأت وظلمت، وما علمتُ أن سوء الجوار يذهب البركة ويُفسد الحياة».
قال جاره:
«لا بأس، إن تبتَ وأصلحتَ، فالنّاس يحبّون التّائب، والجار الّذي يُصلح نفسه خيرٌ من ألف جارٍ أصرّ على فساده».
فندم سعدان، وعاهد الله أن يُحسن جواره، وقال:
«أقم في دارك، فوالله لنكوننّ لك جيران صدق، كما كان أبو حمزة لجاره أو خيرًا».
فعاش القوم بعد ذلك في جوارٍ حسن، وصار سعدان وزوجته مثالًا للتّوبة والإصلاح.
وقال النّاس يومئذ:
الجار الصّالح يرفع قيمة الدّيار، والجار السّيّئ يهدم عمران الجوار؛ فمن أراد الكرامة فليُكرِم جاره، ومن آثر الأذى فلا يلومنّ إلّا نفسه.
أحمد أعناناثمن الجوار
اشتدّ العوز بإدريس، وضاق به الحال، فعزم على بيع داره. فسوّمها أربعين ألف درهم، وهي – في نظر من رآها – لا تبلغ عشرة آلاف. فلمّا أتاها المشترون، تعجّبوا من غلاء ثمنها، وقال أحدهم:
«يا هذا، إن دارك متواضعة، لا تُقوَّم بأكثر من اثني عشر ألفًا».
فابتسم إدريس في سكينة الواثق، وقال:
«صدقتُم؛ فالدّار بعشرة آلاف، وأمّا الثلاثون فثمنُ الجوار… جوار أبي حمزة».
قالوا: «وكيف ذاك؟»
قال: «وكيف يُشترى جوارُ رجلٍ عُرف بالصّلاح والمروءة والأمانة بثمنٍ يسير؟».
فبلغ الخبر أبا حمزة، فغضب غضبة الكريم لا غضبة المتكبّر، وأسرع إلى جاره، وقال:
«ويحك يا أخي! أتجعلني سلعةً تُزاد في الأثمان؟ والله ما كنتُ جارًا لأُباع، ولا معروفًا ليُتَّجر به».
ثم أخرج من ماله ما سدّ حاجة إدريس، وقال:
«أقم في دارك، فوالله إن ضيقَ العيش أهون من فراق الجار، وإن البيوت تُعوَّض، وأمّا الجوار الصّالح فلا يُعوَّض».
وأبى أن تُباع الدّار بسببه، وأمر جاره أن يردّ المشترين، وقال:
«من جاورني فله النّصرة لا الثّمن، وله المعونة لا المساومة».
فذاعت القصّة بين النّاس، وضُرب بأبي حمزة المثل، وقيل يومئذ:
ليس الشّرف في الدّيار، ولكن الشرف في الجوار.
ولمّا انتشر خبر أبي حمزة في المدينة، بلغ رجلًا يُدعى سعدان، وكانت له زوجة سيّئة الخُلُق، تؤذي جيرانها ليلًا ونهارًا، لا يخرج من فمها إلّا السّباب، ولا يعرف بيتها الهدوء ولا السّكينة. وكان الجيران صابرين محتسبين، يكظمون غيظهم رجاء أن يهديها الله.
فلمّا سمع سعدان بقصّة إدريس وأبي حمزة، قال في نفسه متعجّبًا:
«عجبًا! يُقدَّر الجار الصّالح بثلاثين ألفًا، أفلا أُقدَّر أنا بأكثر من ذلك؟».
وفي تلك الأيام، اضطرّ أحد الجيران إلى بيع داره لقضاء دينٍ أثقله، فعرضها بثمانية آلاف درهم. فأقبل المشترون واستحسنوا الدّار، وهمّوا بالشّراء. فلمّا سألوا عن الجيران، أُخبروا بسوء جوار سعدان وزوجته، فانصرفوا واحدًا بعد واحد، وقالوا:
«الدّار حسنة، ولكن الجار رديء، وسوء الجار يُفسد أحسن الدّيار».
فلم يجدِ الرّجل من يشتري داره، لا بثمانية آلاف، ولا بستة، ولا حتّى بأربعة، واشتدّ به الكرب، وخشي الحبس في الدّين.
حينئذٍ أقبل سعدان مختالًا، وقال:
«يا جاري، أما سمعت بقصة إدريس وأبي حمزة؟ إن الجار الصّالح يُزاد في ثمن الدّار، فكيف بالجار مثلي؟».
فنظر إليه جاره نظرةً حزينة، وقال بهدوء:
«صدقتَ يا سعدان، فالجار له أثر في ثمن الدار».
ثم أردف:
«لكنّك نسيتَ أمرًا… الجار الصّالح يُزاد بسببه، والجار السّيّئ يُنقَص بسببه. كانت داري تُساوي عشرة آلاف، فأصبحت بجوارك لا تُساوي أربعة. فإن كان لأبي حمزة ثلاثون ألفًا زيادة، فلك ستة آلاف نقصان».
فتغيّر وجه سعدان، وأطرق رأسه خجلًا. وقال له جاره:
«أتدري لماذا عُدّ جوار أبي حمزة بثلاثين ألفًا؟ لأنّه كان للناس أمانًا وسكنًا، فأحبّوه وكرّموه. وأنت وزوجك جعلتما الجوار شقاءً، فنفر منكما النّاس».
ثم قال:
«الجار السيّئ كالسّوس في الخشب، يُفسد ما حوله وهو لا يشعر. ومن طلب الكرامة بإيذاء النّاس لم يحصد إلاّ الذلّ».
فارتعد قلب سعدان، وقال بصوتٍ منكسر:
«عفوًا يا جاري، لقد أسأت وظلمت، وما علمتُ أن سوء الجوار يذهب البركة ويُفسد الحياة».
قال جاره:
«لا بأس، إن تبتَ وأصلحتَ، فالنّاس يحبّون التّائب، والجار الّذي يُصلح نفسه خيرٌ من ألف جارٍ أصرّ على فساده».
فندم سعدان، وعاهد الله أن يُحسن جواره، وقال:
«أقم في دارك، فوالله لنكوننّ لك جيران صدق، كما كان أبو حمزة لجاره أو خيرًا».
فعاش القوم بعد ذلك في جوارٍ حسن، وصار سعدان وزوجته مثالًا للتّوبة والإصلاح.
وقال النّاس يومئذ:
الجار الصّالح يرفع قيمة الدّيار، والجار السّيّئ يهدم عمران الجوار؛ فمن أراد الكرامة فليُكرِم جاره، ومن آثر الأذى فلا يلومنّ إلّا نفسه.
أحمد أعنانا







































