بقلم … للاإيمان الشباني
أَلَا رُبَّ لَيْث حِينَ يَزْأَرُ يُرْعِبُ
كَذَا شَكْلُهُ أَقْوَى وَقَلْبُـهُ أَرْنَبُ
تَرَاهُ كَمَا لَوْ أَنَّهُ ذُو شَجَـاعَــةٍ
وَمَـا هُــوَ إِلَّا غَــادِرٌ مُتَـقَـلِّـبُ
حميد بركي
هاتان البيتان للشاعر حميد بركي من المغرب، وقد صدق من لقّبه بأمير الشّعراء وشيخ المفكّرين، إذ يقومان على تصويرٍ أخلاقيٍّ عميق، يجمع بين دقّة الملاحظة وقوّة التعبير، ويكشفان عن تجربة إنسانيّة متكرّرة في المجتمعات، حيث يختلط المظهر بالحقيقة، وتُلبس الصّفات الزّائفة لباس البطولة.
يفتتح الشاعر بقوله:
«أَلَا رُبَّ لَيْثٍ حِينَ يَزْأَرُ يُرْعِبُ»
وفي هذا الاستهلال تنبيهٌ للقارئ وإيقاظٌ لذهنه، كأنّ الشّاعر يقول: انتبه، فالأمر شائع ومتكرّر. واستخدامه لفظ «ربّ» يفيد التّكثير، أي أنّ هذه الظُاهرة ليست نادرة. ثمّ يختار صورة «الليث» وهو الأسد، رمز القوّة والشّجاعة في الوجدان العربي، لكنّه يقيّده بحالةٍ معيّنة: حين يزأر فقط. فالرّهبة هنا ليست نابعة من بأسٍ حقيقي أو فعلٍ شجاع، وإنّما من صوتٍ مرتفعٍ ومظهرٍ صاخب. وكأنّ الشّاعر يلمّح منذ البداية إلى أن هذه القوّة صوتيّة أو شكليّة، لا فعليّة.
ثمّ يقول:
«كَذَا شَكْلُهُ أَقْوَى وَقَلْبُهُ أَرْنَبُ»
في هذا الشّطر يبلغ التّصوير ذروته، إذ يقيم مقابلة حادّة بين الظّاهر والباطن. فـ«شكله أقوى» أي أنّ هيئته وحركاته وكلامه توحي بالقوّة والصّلابة، لكنّ الحقيقة المضمرة تأتي صادمة: «قلبه أرنب». والأرنب في الثقافة العربيّة رمز الخوف والجبن. فالشّاعر لا يكتفي بوصفه بالضّعف، وإنّما يختار أضعف صورة متداولة للجبن، ليؤكد الهوّة السّحيقة بين المظهر والحقيقة. هذه المقابلة ليست مجرّد تشبيه، وإنّما حكم أخلاقي قاسٍ على من يتزيّا بغير حقيقته.
ويتابع الشُاعر تعميق المعنى بقوله:
«تَرَاهُ كَمَا لَوْ أَنَّهُ ذُو شَجَاعَةٍ»
وهنا ينتقل من الوصف إلى أثر هذا الزّيف في الآخرين. فالنّاظر إليه يُخدع، ويحسبه شجاعًا بحقّ، لأنّ العلامات الخارجيّة توهّم بذلك. وفي «كما لو أنّه» دلالة على الوهم والتّمثيل، أي أنّ الشّجاعة ليست حقيقيّة، وإنّما متخيَّلة في عين الرّائي. وهذا يعكس خطورة هذا الصّنف من النّاس، لأنّهم لا يكتفون بالكذب على أنفسهم، وإنّما يضلّلون غيرهم.
ثمّ يختم بالحكم القاطع:
«وَمَا هُوَ إِلَّا غَادِرٌ مُتَقَلِّبُ»
وهذا أسلوب قصر يفيد الحصر والتّوكيد، كأنّ الشّاعر يقول: لا حقيقة له سوى هذه. فهو ليس فقط جبانًا، وإنّما يجتمع فيه الجبن مع الغدر والتّقلّب. والغدر ثمرة طبيعيّة للجبن، لأنّ الجبان يعجز عن المواجهة الشّريفة فيلجأ إلى الخيانة. أمّا التّقلّب فيدل على انعدام المبدأ، فهو مع القوّة حيث كانت، وينقلب عند أوّل اختبار. وبهذا يربط الشّاعر بين ضعف القلب وفساد الخُلُق، ليقدّم رؤية أخلاقيّة متكاملة.
خلاصة القول إنّ البيتين ليسا وصفًا لشخص بعينه، وإنّما نموذج إنساني عام، يعرّي فيه الشّاعر حميد بركي ظاهرة الادّعاء والشّجاعة الكاذبة، ويؤكّد أنّ الشّجاعة الحقيقيّة ليست في الصّوت العالي ولا في الهيئة الصّلبة، وإنّما في ثبات القلب وصدق الموقف.
بقلم … للاإيمان الشباني







































