البطالةُ والمغالاة يشعلان أزمة العنوسة بالمنيا …
كتب.. أشرف كمال
ظاهرةُ البطالةِ المتفشيةِ تؤثرُ بشكلٍ مباشرٍ على قدرةِ الشبابِ على تأسيسِ أسرٍ مستقرةٍ. فالشابُّ الذي لا يمتلكُ عملًا ثابتًا أو دخلًا يكفي لسدِّ حاجاتهِ اليوميةِ، لا يمكنُه تحملُ أعباءِ الزواجِ التي يفرضها المجتمعُ. قصصُ شبابٍ كثرٍ في المنيا تتحدثُ عن رفضِ العائلاتِ إعطاءَ بناتهمْ لأشخاصٍ بلا ضمانٍ ماليٍّ، ما يزيدُ من حالاتِ التأجيلِ والتراجعِ.
– التقاليدُ والأعباءُ الماديةُ: عقدٌ اجتماعيٌّ يُثقلُ كاهلَ الأسرةِ
لا يخفى على أحدٍ أنَّ تكاليفَ الزواجِ أصبحتْ عبئًا ثقيلًا يُثقلُ كاهلَ الشبابِ وأسرِهم، من مهرٍ ذهبيٍّ، إلى شقةِ تمليكٍ، وفرشٍ فاخرٍ، واحتفالاتٍ تكلفُ أموالًا طائلةً. هذه العاداتُ، التي كانتْ في الأصلِ رموزًا اجتماعيةً، تحولتْ إلى قيودٍ ماليةٍ تعوقُ سيرَ الحياةِ الطبيعيةِ وتزيدُ من نسبةِ العنوسةِ.
– تقصيرُ مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ والدولةِ
في ظلِّ هذه التحدياتِ، كان يُنتظرُ من مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ والدولةِ أن تلعبَ دورًا فعالًا في التوعيةِ وتوفيرِ الدعمِ، إلا أنَّ الواقعَ يشيرُ إلى غيابٍ شبهِ كاملٍ لهذه الجهودِ أو تغطيتها السطحيةِ فقط. حملاتُ التوعيةِ تنقصُها الاستمراريةُ، والدعمُ الماديُّ لا يكفي، مما يتركُ الشبابَ والنساءَ أمام مأزقٍ يتفاقمُ سنويًّا.
-الزواجُ العرفيُّ وجرائمهُ الإجتماعيةُ ..
في محاولةٍ للهروبِ من متاهاتِ الزواجِ الرسميِّ وغلو تكاليفه ، يلجأُ البعضُ إلى الزواجِ العرفيِّ، وهو ما يفتحُ أبوابًا واسعةً للمشكلاتِ القانونيةِ والاجتماعيةِ، ويزيدُ من مخاطرِ العنفِ الأسريِّ، وعدمِ الاستقرارِ، وتدهورِ حقوقِ المرأةِ والأطفالِ.
– ميراثُ المرأةِ وقيدُ العقليةِ الذكوريةِ ..
أحدُ أوجهِ الأزمةِ هو المنعُ المجتمعيُّ للزواجِ خوفًا من انتقالِ الميراثِ إلى “غريبٍ”، ما يعكسُ عقليةً ذكوريةً متجذرةً تحاولُ التحكمَ في مواردِ العائلةِ عبر تقييدِ حريةِ الفتياتِ، مما يُضاعفُ من معاناتِهنَّ ويُعمقُ أزماتِ العنوسةِ.
– قصصٌ حقيقيةٌ تنطقُ بالحقيقةِ:
نهى، 32 سنةً، معلمةٌ في إحدى قرى المنيا:”لم أتزوجْ رغم أنني أحببتُ، لكن والدي رفض ببساطةٍ لأنه لا يملكُ شقةً أو سيارةً. المجتمعُ ينظرُ إليّ وكأنني فاشلةٌ، رغم أنني أبني مستقبلَ أولادي في المدرسةِ.” محمود، 36 سنةً، يعملُ نجارًا:”تقدمتُ لأكثرِ من عائلةٍ، لكن لم يقبلوني لأن دخلي لا يكفي لتغطيةِ تكاليفِ الزواجِ. الزواجُ أصبح تجارةً، والناسُ أصبحت تبيعُ أمانيها مقابل أموالٍ لا نملكها.”سعادٌ، 28 سنةً، موظفةٌ حكوميةٌ: “الخوفُ من أن أكونَ عبئًا على عائلتي يجعلني أترددُ في التفكيرِ بالزواجِ. أرى الفتياتِ من حولي يتزوجن، وأنا أشعر بأنني مؤجلةٌ بلا موعدٍ.”
-آفاقُ الحلولِ: نحو تنميةٍ اجتماعيةٍ مستدامةٍ
تبسيطُ متطلباتِ الزواجِ: إعادةُ الإعتبارِ لسُنّةِ التيسيرِ، وخفضُ التكاليفِ الماديةِ، مع تعزيزِ قيمِ المحبةِ والرحمةِ كقاعدةٍ لبناءِ الأسرةِ.تمكينُ الشبابِ اقتصاديًّا: عبر برامجِ تدريبٍ مهنيٍّ وتوفيرِ فرصِ عملٍ مستدامةٍ تلبي احتياجاتِ سوقِ العملِ. دعمُ الدولةِ السكنيِّ والماليِّ: توفيرُ وحداتٍ سكنيةٍ بأسعارٍ مناسبةٍ، وقروضٍ بدون فوائدٍ، وحوافزَ تشجعُ الزواجَ المبكرَ.
تفعيلُ الإعلامِ والمؤسساتِ الدينيةِ: لترسيخِ الوعيِ الصحيحِ، وتصحيحِ المفاهيمِ الاجتماعيةِ الخاطئةِ حولَ الزواجِ والمرأةِ. تنشيطُ المجتمعِ المدنيِّ: لحملاتِ توعيةٍ مستمرةٍ، ودعمِ الزواجِ المسؤولِ، وتعزيزِ ثقافةِ الحوارِ المجتمعيِّ.حمايةُ حقوقِ النساءِ: عبر سنِّ قوانينَ صارمةٍ لحمايةِ حقوقِ المرأةِ في الزواجِ، ومناهضةِ أيِّ ممارساتٍ تمييزيةٍ.
التعليمُ والثقافةُ: ركيزتان لتغييرٍ جذريٍّ في الوعيِ والممارساتِ ..
يُعدُّ التعليمُ بوابةَ التغييرِ المجتمعيِّ التي لا غنى عنها، فهو الأداةُ التي تمكّنُ الأفرادَ من فهمِ حقوقهم وواجباتهم، وتعززُ من قيمِ العدالةِ والمساواةِ، وبالتالي يُحدثُ تحولًا في النظرةِ المجتمعيةِ لقضايا مثل العنوسةِ.
– إدخالُ مناهجَ تعليميةٍ تعززُ قيمَ المساواةِ:
تطويرُ المناهجِ المدرسيةِ والجامعيةِ لتشملَ مواضيعَ عن حقوقِ الإنسانِ، والمساواةِ بينَ الجنسين، وأهميةِ الزواجِ المبنيِّ على المودةِ والاحترامِ، والتخلصِ من الصورِ النمطيةِ.
– برامجُ تثقيفيةٌ للشبابِ:
تنظيمُ ورشِ عملٍ ودوراتٍ تدريبيةٍ تُعنى بتطويرِ مهاراتِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وإدارةِ العلاقاتِ الأسريةِ، والتوعيةِ بحقوقِ الزواجِ والمسؤولياتِ المرتبطةِ به.
– دورُ الإعلامِ والثقافةِ في تشكيلِ الرأيِ العامِّ:
إنتاجُ برامجٍ ومسلسلاتٍ وأفلامٍ تحكي قصصًا حقيقيةً وتعكسُ التحدياتَ بشكلٍ واقعيٍّ، وتُبرزُ الحلولَ وتدعو إلى التغييرِ، بعيدًا عن التهويلِ أو التجميلِ.
– تشجيعُ الحوارِ المجتمعيِّ المفتوحِ:
إنشاءُ منصاتٍ حواريةٍ تجمعُ مختلفَ الأطرافِ من شبابٍ، نساءٍ، رجالِ دينٍ، وعلماءِ اجتماعٍ، لطرحِ المشكلاتِ ومناقشةِ الحلولِ بشكلٍ علميٍّ ومدروسٍ.
وفي الختام … الوفد تقرع ناقوس الخطر لحماية النسيج الإجتماعي للكيان البشري ، تفشي العنوسة خطر يهدد الحياة الإجتماعية







































