حين أحالُ على التّقاعدِ
عبد الواحد السويّح
حين أحال على التّقاعدِ
سأرفضُ تكريمي ولن أفسحَ بالمجالِ لكلماتكم الخشبيّةِ الخاليةِ من الظّلالِ بالمرورِ إلى قلبي.
َلم أكن أستاذًا صالحّا فقد أفسدتُ ذائقة أجيالٍ بأكملِها. ولم أكن مربّيًا ناجحًا فقد حوّلتُ الأقسامَ إلى غاباتٍ سمحتُ خلالَها للأعشابِ الطّفيليّةِ بالنموِّ.
َأنا يا سادةُ رجلٌ مختبلٌ أحملُ سرير نومي على كتفي وأنامُ داخلَ القاعاتِ ولا أطبّقُ مطلقًا تعاليمَ الوزارة:
الجناس المحرّف والجناس النّاقص وجناس القلب وجناس المضارع والجناس اللّاحق ومعاني المزيد الغبيّة واسم الموصول “الألى” (هههه) ومِكرّ مِفرّ وحماسة الكلاب النّابحة والظّاء والضّاد…
لقد انطلتْ على بعضِكم حماقاتي وصدّقَ آخرونَ أكاذيبي وأحبَّني كثيرونَ من طلبتي خصوصًا أولئكَ الّذينَ ينامونَ خارجَ بيوتِهم بآلافِ الكيلومترات والّذين نزلُوا بالسّماءِ إلى الأرضِ وعادُوا بالحاضرِ إلى الماضِي يشعلونَ النّارَ داخلَ أروقتِهِ ويغتالونَ “الصّالحين” ويعدمونَ رجالَ السّاسةِ وقردةَ التّأريخ.
حينَ أحالُ على التّقاعدِ لن يخالجَني أيُّ شعور ممّا تتوقعونَ. فأنا يا سادة يا مادّة لستُ أستاذًا ولم أكن يومًا أنتمي إلى قبيلتكم
أنا بحّارٌ نجّارٌ جزّارٌ (ما أسخف البديع) أنا خالقٌ مخلوقٌ وعاشقٌ معشوقٌ وسابقٌ مسبوقٌ (ههههه)
أنتم بقلبٍ واحدٍ وأنا بقلوبٍ متعدّدةٍ. يأخذُني النّومُ أحيانًا على شاطئٍ مهجورٍ وأبتسمُ كثيرًا كلّمَا سرقَ أحدُهم هاتفي أو مالي وأتواصلُ جيّدًا مع مومساتِ شاطئِ القرّاعيّةِ ومقهى الموناراس وحانةِ البيتش.
أتجنّبُ البولَ على النّملِ وأمنعُ أيًّا كانَ من قتلِ الحشرات.
الصّراصيرُ الآمنةُ في بيتِ الاستحمامِ تحبُّني والفئرانُ الصّغيرةُ الّتي تتسلّلُ إلى بيتي أطلقُ سراحَها دونَ التّفكيرِ بإيذائِها.
الجراثيمُ الخطيرةُ ليست في هذه الكائنات البريئة
الجراثيمُ الخطيرةُ في دروسِ التّاريخ والتّفكيرِ الإسلاميِّ والتّكنولوجيا القروسطيّة واللّغةِ العربيّةِ البائسةِ وحصص الفرنسيّة الّتي أكل عليها الدّهرُ وتمطّى
الجراثيمُ الحقيقيّةُ في أدمغةِ من يقرّرُ هذه الموادَّ ومن يدرّسُ هذه الموادَّ ومن يتقبّل بغباءٍ هذه الموادّ
الجراثيمُ الحقيقيّةُ في نظامِنا التّربويِّ برمّته
لستُ أستاذًا ولا يشرّفني مطلقًا أن أكون أستاذًا
لقد مارستُ التّقيةَ ونجحتُ إلى حدّ ما في التّمويهِ عليكم
أنا رجلٌ مجنونٌ بأتمِّ معنى الكلمةِ تخلّصت مذْ وعيتُ من العقلِ الّذي ينتمي إلى عقولِكم وألقيتُ به في المجاري
أنا رجلٌ لا يستهويه الماءُ ويكرهُ البحرَ والنّهر ويعتبر الماءَ عدوَّ الإنسانِ الأكبر فلولاه لما تواصلت المأساةُ في هذا الوجود.
لست أستاذًا يا أساتذةُ فقد كنتُ مجرّد مدرّسٍ يغنّي للحريّةِ مثل عصفورٍ صغير
حين أحالُ على التّقاعدِ سألعنكم جميعًا سرًّا وعلانيةً وسأحرقُ جميعَ ما يذكّرني بكم وسأبدأ بأصابعي.







































