سخريةٌ تُشبه البكاء
يا بلادي…
صرنا ننام بعيونٍ مفتوحة،
لا لأنّ السّهر صار عادةً رديئة،
بل لأنّ الأمان جمع حقائبه ورحل
وتركنـا نحرس اللّيل بأيدٍ مرتجفة،
كأنّنا نحرُس ظلّاً يرفض أن يثبت في مكانه.
نأكل بحذر…
لا نخشى المرض، بل نخشى الفاتورة،
فاللّقمة صارت مشروع مخاطرة،
والخبز أصبح مسؤولاً كبيراً
لا يزور البيوت إلّا بمواعيد مسبقة،
يبتسم في صور الإعلان،
ويختفي عندما نجوع.
ونتوسّل الشّتاء ألّا يقترب،
نرجوه أن يظلّ مختبئاً خلف الغيم،
فلا قدرة لنا على شراء دفء،
ولا على شراء صبر جديد،
نرتجف قبل أن يبرد الهواء،
وكأنّ البرد صار يسبق الأيّام
ويزورنا بلا استئذان.
الدّواء؟
صار كالكوكب البعيد:
نراه، نعرف وجوده،
لكنّه لا يدنو من أيدينا.
المرض يكسب معاركه بلا مقاومة،
والصّحّة تستقيل من مناصبها،
وكأنّنا صرنا نعيش بأجسادٍ لا ميزانيّة لها.
ونسأل يا ربّ:
إلى متى؟
إلى متى يبقى الظّلم كبير العائلة،
يجلس على عرشٍ من تعبنا،
ويُوزّع وجعنا مثل هدايا العيد،
إلى متى يبقى الجوع جاراً ثقيلاً،
والبرد ضيفاً لا يعرف الخجل،
والظّلم شيخاً طاعناً
يرفض أن يموت؟
وبقي ظلمٌ لم نكتبه…
ظلم الصّمت القسريّ،
حين يخبّئ الأب دموعه كي لا تنهار الأسرة،
وتحشو الأمّ وجعها في ابتسامةٍ مُتعَبة
حتّى لا يسأل طفلها:
“هل سنأكل اليوم؟”
وحين يتخرّج الشّاب
ويكتشف أنّ الوظيفة تحتاج واسطة
أطول من قامته وأقوى من علمه،
فيقف على رصيف العمر
ينتظر دوره
الّذي لا يأتي.
وبقي ظلم المستشفيات،
حيث يتحوّل العلاج إلى تجارة،
وحيث يملك الغنيّ سريراً نظيفاً،
ويملك الفقير… الانتظار فقط.
يُدفن المرضى في قائمة المراجعات
قبل أن يدفنوا في الأرض،
وتصبح الحياة خياراً مكلفاً
لا يناسب ميزانيّة المواطن.
وبقي ظلم القهر،
ذلك الّذي لا يُرى ولا يُكتب،
لكنّه يحفر في الرّوح حفراً
لا يملؤها شيء.
القهر حين ترى وطنك يُباع بالمزاد
وتمضي صامتاً
لأنّ الصّوت خطر،
والحقيقة تهمة،
والاعتراض جريمة
يعاقب عليها الوقت… قبل النّاس.
وبقي ظلم الأحلام المؤجّلة،
أحلام الشّباب الّذين كبروا وهم ينتظرون يوماً أفضل،
حتّى كبر الانتظار معهم،
وشاخوا قبل أن يمرّ حلمٌ واحد
بجوار نافذتهم.
وبقي ظلم الكرامة المكسورة،
حين تطلب حقّك فيُقال لك:
“تعال غداً”،
وحين تعود غداً
يُقال لك:
“انتظر قليلاً”،
ثمّ يقال لك:
“راجع بعد أسبوع”،
ثم تكتشف في النّهاية
أنّ الأسبوع تحوّل عمراً
ضائعاً على أبواب مسؤولين لا يرونك.
وبقي ظلم الأوطان الّتي لا تعتذر،
العهود التي تُكتب ثم تُحرق،
والخطط الّتي تُعلن ثمّ تُنسى،
والوعود الّتي تتكرّر
وكأنّنا بلا ذاكرة.
يا ربّ…
نحن لا نطلب كنوز الأرض،
ولا رفاهية السّماء،
نطلب حياةً تشبه الحياة،
ودفئاً لا يُشترى بدموعنا،
وعدالةً لا تخجل من أن تكون عادلة.
يا ربّ…
لقد تعب هذا الشّعب،
وتعبت ظلاله من مرافقة وجعه،
وصار اللّيل طويلاً
والصّباح بعيداً
والأمل…
ضوءاً ضعيفاً
لا يكاد يرى.
أنصفنا يا ربّ،
فليس لنا سواك،
أمّا من في الأرض…
فقد شغلهم عنّا
ظلمهم. بقلم ماريه حنا







































