أناملُ تحيكُ المجدَ …
بقلم : سلمى صوفاناتي
في كلِّ غرزةٍ من إبرتها، كانت تختبئُ حكايةُ كفاحٍ، وفي كلِّ خيطٍ ينسابُ على القماشِ كان يكتبُ سطرًا جديدًا في ملحمةٍ صامتةٍ. لم تكن أمينةُ مجرّد خياطةٍ، بل كانت أناملُها معجونةً بالصّبرِ، تحيكُ المجدَ كما يُحاكُ الثّوبُ، وتصوغُ من دموعها لآلئَ تُضيءُ دربَ أبنائها. هناك، بين هديرِ الماكينةِ وأنينِ الجراحِ، وُلدت أسطورةُ أمٍ جعلت من الإبرةِ رايةً، ومن الخيطِ جسراً نحوَ غدٍ يزهرُ بالكرامةِ.
– بينما كانت أناملُها الرّقيقةُ ترسمُ على القماشِ لوحةً من العزيمةِ، كانت أمينةُ تخيطُ بكفّيها المتعبتينِ مجداً لا يعرفهُ الملوكُ. أمامَ ماكينةِ الخياطةِ العتيقةِ، الّتي صارت شاهداً على معركةِ الحياةِ، كانت تنحني كشجرةِ زيتونٍ مثقلةً بالعطاءِ لكنّها لا تنكسرُ.
لم تكن إبرتها تخترقُ القماشَ فقط، بل كانت تنفذُ إلى أغوارِ المستقبلِ، تحيكُ من خيوطِ الشّموخِ رداءً للكرامةِ، وتطرزُ بألوانِ الصّبرِ حكايةَ أمٍ أصبحت بمفردها وطناً كاملاً. كانت تسمعُ في طنينِ الماكينةِ همساتِ أطفالها، أحمدَ وفاطمةَ، فتواصلُ السّهرَ حتّى يبلجَ الفجرُ، وكأنّها تخيطُ لهما جناحينِ ليحلقا بعيدًا عن فقرِ التّيهِ.
تمرُّ السّنواتُ وتنحني ظهرُ الأمِّ لكن لا تنحني إرادتها. أصبحت تلك الأيادي الّتي شقّت الطّريقَ بالإبرةِ والخيطِ تمسكُ الآن بشهاداتِ أبنائها المهندسِ والطبيبةِ. الماكينةُ الصّامتةُ اليوم لم تعد آلةً للخياطةِ، بل تحوّلت إلى متحفٍ يحوي ذكرياتِ التّضحياتِ، وصرخاتِ الأطفالِ الّتي تحوّلت إلى أنغامِ نجاحٍ، وضحكاتٍ بريئةٍ أصبحت مشاريعَ حياةٍ.
لم تكن أمينةُ تخيطُ ملابسَ.. كانت تخيطُ أقاصيصَ البطولةِ الخفيةِ، وتصنعُ من دمِ قلبها خيوطاً ذهبيةً تصلُ بين الماضي القاسي والمستقبل المشرقِ. هي لم تكن أمًّا عاديةً، بل كانت ساحرةً تحوّلُ جراحَ الأمسِ إلى زهورِ الغدِّ، وخياطةً تحيكُ من أشواكِ الحياةِ تاجاً للفخرِ.
أصبحت حكايتها نسيجًا من نورٍ، تتناقلهُ الأجيالُ: كيف يمكن لامرأةٍ أنّ تكونَ بمفردها نهراً من الحبِّ، يروي أحلاماً لا تعرفُ المستحيلَ، وكيف يمكن لإبرةٍ صغيرةٍ أنّ تبني إمبراطوريةً من الإنجازاتِ. أمينةُ.. الخياطةُ الّتي لم تخيطِ ثياباً، بل حكت للعالمِ أجمعَ معنى أنّ تكونَ الأمُّ هي الوطنُ الأولُ والأخيرُ.







































