الأمواج الميتة
في الفجر الّذي لم يكتمل،
كان البحرُ يلوّن جبهته بالغيوم،
ويمدّ ذراعيه الباردتين
ليحتضن المرافئ النّائمة.
الماء،
كان يجرّ أقدامه الثّقيلة
كما يجرّ السّجينُ قيوده،
وكانتِ الطّيورُ
ترسم دوائرَ مرتبكة في الهواء،
ثمّ تهوي فجأة،
كأنّها تعبت من البحث عن سماءٍ تُشبهها.
المراسي
تحوّلت إلى أضلاعٍ صدئة،
والأشرعة
إلى جلودٍ مهترئة
تتمزّق مع كلّ نفسٍ للرّيح.
الموجاتُ
تصعدُ مثل حيواناتٍ جائعة،
تفتح أفواهها
وتبتلع ظلّ النّهار،
ثم تعود إلى قاعها
حاملةً أسماءً
لم يقرأها أحد.
في أعماقٍ أبعد من الحلم،
تجلس سفينةٌ من عظام،
يأوي إليها
صيّادون ماتوا منذ قرون،
يحكون قصصًا عن جزرٍ
لم يعرفها أيُّ بحر،
وعن عواصفَ
تأكل سفنًا كما تأكل النّار الورق.
الصّوتُ الوحيد هناك
هو احتكاك التّيار بالحجر،
وأنين الحيتان
الّذي يذوب في ضباب القاع
مثل اعترافٍ أخير.
على السّاحل،
امرأةٌ بملامحَ مائيّة
ترسم قلوبًا على الرّمل،
تمحوها قبل أن يكملها المدّ،
وتتحدّث إلى القمر المكسور
كما لو كان ابنها الضّائع.
اللّيلُ هنا،
ليس مجرّد غيابٍ للشّمس،
إنّه مدينةٌ سوداء
تسير تحت البحر،
تتنفّس عتمةً نقيّة،
وتضيء بمصابيح
مصنوعة من دموع الطّحالب.
وفي الحافّة الّتي يلتفّ عندها الأفق،
تسبح ساعةٌ بلا عقارب،
تحرس زمنًا لم يولد بعد،
وزورقًا وحيدًا
يحمل مجدافًا واحدًا،
يمضي نحو عمقٍ
يشبه فمَ ليلٍ مفتوح.
كلُّ الموجات الّتي تنكسّر،
تنبتُ منها طيورٌ بلا أجنحة،
تحلّق في خرائط الحلم،
وتترك على المدى
خطوطًا من صمتٍ لامع،
تدلّ على طريقٍ
لا يسلكه أحد
إلّا العائدون من الغرق.
حين يبتلع البحرُ نفسه،
وتغدو السّماءُ ملوّنةً برماد الماء،
تخرج الأصوات من الأصداف
كأنّها جنائزُ من غناء،
وتسير على الموج
كأنّها مواكبُ موتى
يعرفون أنّ الطّريق
لن تصل بهم إلّا إلى البحر من جديد.
وفي النّهاية،
لا يبقى سوى الرّيح،
وهي تفتح الأبوابَ الخفيّة للماء،
وتضحك ضحكةً باردة،
ثمّ تمضي…
حاملةً معها
سرّ البحر
إلى بحرٍ آخر.
بقلم الشاعر مؤيد نجم حنون طاهر
العراق







































