الريس
بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين
في بلدةٍ مترامية الأطراف، حيث تختلط بيوت الطين بالاسمنت ، وتتعرج طرقاتها بين التلال العالية ، ويعرف أهلها بعضهم بعضًا، عاش ” ميهل ” كما يعيش كثير من أبناء القرى الطيبين؛ رجلٌ بسيط، أنهكته الحاجة قبل أن تنضجه التجربة.
لم يُكمل دراسته الثانوية، وخرج مبكرًا إلى العمل داخل الأراضي المحتلة، يقتات من تعب النهار، ويعود في المساء مثقلًا بالإرهاق، خفيف الجيب، ثقيل الهمّ.
تزوج، وكبر بيته بالأبناء والبنات، لكن الرزق ظلّ يجيئه متقطعًا كالمطر الشحيح.
كان بالكاد يؤمّن لأطفاله قوت يومهم، ويحسب نفقاته على أنفاسه.
ولم يكن حظه من التعليم أوفر من حظه من المال؛ فكان إذا كتب منشورًا على صفحته الشخصية، امتلأ بالأخطاء حتى ليبدو كأن الكلمات نفسها تشكو سوء مصيرها بين يديه.
اشترى سيارةً مشطوبة، بالكاد تمشي، يقضي بها حاجاته الضرورية، ويتنقل فيها بين البيت والعمل، حتى صارت جزءًا من صورته المألوفة في البلدة.
لكنّ الأقدار، أو ربما الأهواء، قررت أن تدفعه إلى مكانٍ لم يكن أهلًا له. حين جاءت الانتخابات البلدية، ترشح ” ميهل ” ضمن قائمة ضمّت رجالًا يشبهونه في القلة والسطحية أكثر مما يشبهونه في الإخلاص والخبرة. ولم يكن أحد يتوقع أن يفوزوا، غير أن صناديق الاقتراع كثيرًا ما تمنح من لا يستحق، وتحجب من يستحق.
وفي ساعة متأخرة من الليل، ظهرت النتائج. فازوا.
وما إن شاع الخبر، حتى اشتعلت البلدة بالألعاب النارية، وانطلقت الرصاصات في الهواء، ابتهاجاً لم تشهد له البلدة مثيلاً . وكأن نصرًا عظيمًا قد تحقق، أو كأنهم استعادوا أرضًا محتلة، لا كأنهم فازوا بإدارة شؤون بلدة تبحث عن الماء والطريق والنظام.
وفي اليوم التالي، فُتحت أبواب البيت، وتوافد الأقارب والجيران والأصدقاء، وتوزعت الحلوى، وارتفعت التهاني، وتعلقت في الوجوه ابتسامات واسعة، كأن البلدة كلها قد ربحت مستقبلها.
ثم جاءت الصدمة. فحين قُسمت المناصب بين الأعضاء الفائزين، خرج اسم ” ميهل ” رئيسًا للبلدية. منذ تلك اللحظة، بدأت المأساة ترتدي ثوب المنصب. لم يكن الرجل يعرف من الإدارة إلا اسمها، ولا من التخطيط إلا شكله، ولا من المال العام إلا أنه مالٌ يمكن أن يمرّ من بين يديه. لا جدوى اقتصادية، ولا حساب كميات، ولا فهم للمشاريع، ولا قدرة حتى على إصلاح خلاف صغير بين اثنين.
ومع ذلك، جلس على كرسي الرئاسة كأنه خُلق له.
تبدلت أحواله بسرعة. لم تعد السيارة المشطوبة تليق بـ” الريس “، فصار يقود سيارة البلدية حيث شاء، وكيف شاء، وكأنها ميراثٌ شخصي لا ملكٌ عام. كان يُرى بها أمام محال الخضار واللحوم، يحمل حاجات البيت، ويقضي شؤون الأسرة، ويزور هذا وذاك، ويتنقل إلى الولائم والزيارات الاجتماعية في بلدته والقرى المجاورة، فيما الوقود والصيانة والمصاريف تُسجّل جميعها على حساب البلدية. شيئًا فشيئًا، بدأ المنصب يكبر في رأسه، وتصغر البلدة في عينيه.
وبعد عام، حصلت البلدية على منحة لتعبيد طرق داخلية. استبشر الناس خيرًا، وظنوا أن شوارعهم المتعبة ستتنفس أخيرًا.
لكن ” ميهل ” رأى في المشروع شيئًا آخر.
أحضر المقاولين، وبدأ يشق الطرق المؤدية إلى بيته وأرضه، تمهيدًا لتعبيدها، وكأن المشروع هبط من السماء خصيصًا لمصلحته.
حاول بعض أقاربه أن يردّوه عن فعلته، فقالوا له إن في البلدة طرقًا أولى وأحق، وإن ما يفعله مرفوض ولا يليق بمن أؤتمن على مصالح الناس. لكنه لم يلتفت إلى نصحهم، وردّ ببرودٍ فاضح: “هذه فرصة لا تُعوَّض.” وكانت تلك الجملة وحدها كافية لتكشف كل ما خفي في داخله.
منذ ذلك اليوم، لم يعد الناس يرون فيه رئيسًا، بل رأوا فيه رجلًا وجد في الكرسي سلّمًا لمصلحته الخاصة. توسّع في الإنفاق العبثي، وتكاثرت الأخطاء، وضاعت الأولويات، وتراكمت الديون، حتى أثقل كاهل البلدية بآلاف الشواقل، هو ومن معه من أعضاءٍ لم يكونوا أقلّ سوءًا منه.
ومع مرور السنوات، بدأ بريق المنصب يخفت، وبدأت صورته الحقيقية تتضح في أعين الناس.
وحين انتهت فترته، قدّم استقالته ليخوض الانتخابات الجديدة، مكرهًا على إعادة سيارة البلدية التي طالما قادها كما لو كانت من أملاك أبيه. دخل المعركة مرة أخرى، وجمع حوله الوجوه نفسها، والنيات نفسها، والأوهام نفسها. لكنه هذه المرة لم يجد البلدة كما تركها أول مرة.
كان الناس قد تعلّموا الدرس. عرفوه على حقيقته، وعرفوا من معه، ولم تعد الشعارات البراقة، ولا الولائم، ولا الوعود، قادرة على خداعهم من جديد. فسقط.
سقط كما يسقط من يصعد بغير استحقاق، ويظن أن الكرسي يحميه من حساب الناس… وحساب الأيام.
وفي نهاية المطاف، عاد ” ميهل ” إلى سيارته المشطوبة، لكنها هذه المرة كانت أسوأ حالًا من سابقتها، كأنها مرآة صادقة لما انتهى إليه حاله. وصار يُرى أحيانًا على قارعة الطريق، يشتري علبة بنزين صغيرة بعد أن تتوقف به السيارة، في مشهدٍ لم يكن ينقصه سوى الصمت كي يكتمل فيه معنى السقوط.
عندها فقط، بدأ يعضّ على نواجذه، ويستعيد ما مضى، ويشعر -ولو متأخرًا- بحجم ما اقترفت يداه. لكنه كان شعورًا لا يغيّر شيئًا، لأن بعض الأخطاء لا تُصلَح بالندم، ومن يومها، صار الناس إذا مرّ بينهم، ناداه بعضهم ساخرين: “يا ريس!” لكنها لم تكن مناداة محبة، ولا اعترافًا بمقام، بل كانت وخزًا مؤلمًا، وسخريةً مرة، وعنوانًا مختصرًا لحكاية رجلٍ ظنّ أن المنصب غنيمة، فاكتشف -بعد فوات الأوان- أن الكرسي الذي يُؤخذ لخدمة النفس، ينقلب يومًا إلى مقعدٍ للشماتة. وهكذا يبقى المال العام أمانةً ثقيلة، لا ينجو من خيانتها أحد؛ لأن الناس قد يصبرون، لكنهم لا ينسون.





































