المرجعية الأخلاقية في الشرائع السماوية حوار تكاملي في مدينة حلب
سوريا _حلب
عماد مصطفى
شهدت مدينة حلب،
مؤخرًا مبادرة ثقافية رائدة جسدت روح التعايش والحوار البنّاء. بالتعاون بين مديريتي الثقافة والأوقاف بحلب، أقامت منظمة ميثاق للعمل المدني ندوة حوارية بعنوان “المرجعية الأخلاقية في الشرائع السماوية”.
الندوة كانت محاولة جادة لاستكشاف الجذور المشتركة للقيم الإنسانية العليا قدم الندوة نخبة من المفكرين هما الدكتور محمود دادو والأب بهجت قره قاش، وأدار الحوار الدكتور علاء الدين قولي، مما أضفى على النقاش عمقًا تنوعًا وتوازنًا ضروريًا. إن الهدف الأسمى من هذا التفاعل هو تجاوز السطحيات المذهبية للوصول إلى جوهر الرسالة الأخلاقية الموحدة التي تدعو إلى العدل، الرحمة، والتعاون بين البشر.
تناول الدكتور محمود دادو في حواره عن الأبعاد التشريعية والأخلاقية المتأصلة في الشريعة الإسلامية، مركزًا على كيفية ترجمة النصوص إلى سلوك مدني. ومفهوم “المقاصد الشرعية” كأداة لفهم الروح الحقيقية للتشريع، والتي تهدف بشكل أساسي إلى حفظ الضروريات الخمس: الدين، النفس، العقل، النسل، والمال. هذه المقاصد تشكل إطارًا عمليًا للأخلاق المدنية، حيث إن الحفاظ على هذه الضروريات يتطلب بالضرورة احترام حقوق الآخرين وحرياتهم. على سبيل المثال، الحفاظ على النفس يتطلب نبذ العنف والتطرف، والحفاظ على العقل يتطلب تشجيع العلم والابتعاد عن الجهل والتعصب. من الممكن أن يكون قد أشرنا الى بعض الأمثلة التاريخية من العهد الإسلامي التي جسدت التعايش، والتي كانت بمثابة دستور مدني ينظم حقوق وواجبات مختلف المكونات الدينية تحت مظلة دولة واحدة. هذا المنظور يقدم المرجعية الإسلامية كقوة دافعة للوحدة المدنية لا للتفرقة.في المقابل،
قدم الأب بهجت قره قاش رؤية مكملة من المنظور المسيحي، غالبًا ما تركز على الوصايا الإلهية التي تشكل أساس السلوك الأخلاقي الفردي والجماعي. تتمحور الأخلاق المسيحية حول المحبة، التضحية، والمغفرة. الوصية العظمى، محبة الله ومحبة القريب، تقدم إطارًا شاملاً للتعامل الأخلاقي. الأب قره قاش قد يكون ركز على أهمية “المسؤولية الاجتماعية” للمسيحيين، وكيف أن الإيمان لا يقتصر على الطقوس الخاصة بل يمتد ليصبح التزامًا فعليًا بتحسين الظروف المعيشية للمجتمع ككل. في سياق حوار الأديان، غالبًا ما يتم إبراز مفهوم “التجسد” في المسيحية، أي أن القيمة الأخلاقية تتحقق في العالم المادي من خلال أفعال المحبة الملموسة تجاه الآخرين. هذا التركيز على الفعل الملموس يجد صدى كبيرًا في الحاجة الملحة لإعادة بناء البنية التحتية الاجتماعية والأخلاقية في المجتمعات المتضررة، مما يجعل المرجعية الأخلاقية أداة للتنمية والتعافي.
على الرغم من النجاح الباهر للندوة، تظل التحديات قائمة. فالحوار حول الأخلاق المشتركة يتطلب استمرارية وجهودًا مضاعفة في المجالات التربوية والتعليمية. يجب أن تنتقل هذه الأفكار من قاعات الندوات إلى المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي.
لقد شكلت ندوة “المرجعية الأخلاقية في الشرائع السماوية” في حلب، بتنظيم من منظمة ميثاق وبالتعاون مع مديريتي الثقافة والأوقاف، محطة مهمة نحو تعزيز التفاهم والتعايش في قلب المجتمع السوري. النقاش العميق الذي أثراه الدكتور محمود دادو والأب بهجت قره قاش، وأداره بحكمة الدكتور علاء الدين قولي، أكد أن الشرائع السماوية تقدم إطارًا أخلاقيًا غنيًا ومتوافقًا يدعو إلى بناء مجتمع قائم على العدل والرحمة والتعاون. إن استخلاص هذه الجواهر الأخلاقية المشتركة وتطبيقها في الحياة المدنية المعاصرة ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة حتمية لإعادة بناء الثقة الاجتماعية وتحقيق الاستقرار الشامل لضمان مستقبل مستدام وموحد لأهل حلب والمجتمع السوري بشكل عام.




































