جناية في حضرة النيل: حين تُغتال البراءة في عتمة الإهمال ..
كتب أشرف كمال :
استيقظت محافظة المنيا، “عروس الصعيد”، على وقع فاجعةٍ لم تخدش الحياء العام فحسب، بل هزت أركان الضمير الإنساني في مهدِه. في زاويةٍ منزوية بحي جنوب، وبين ركام القمامة الذي يلفظه المجتمع، عُثر على ما لا تطيقه الأبصار: خمسة أجنة بمشيماتهم، أزهارٌ قُطفت قبل أوانها، أُلقيت بلا كفنٍ ولا رحمة، في مشهدٍ يجسد ذروة الانحدار الأخلاقي والمهني. لقد تحول صندوق القمامة، في غفلةٍ من الرقابة، من مستودع للمخلفات المادية إلى ضريحٍ بائس لأرواحٍ لم تُمنح فرصة الصرخة الأولى.
_قرائن الأرقام: دلالات الجرم المنظم خلف ستار السرية
إن تأمل المشهد بعين المحقق وبصيرة الأديب يضعنا أمام رقمٍ “خمسة” الذي لا يمكن تأويله كحدثٍ عارض أو خطيئة فردية ليائسة. إن العثور على هذا العدد دفعة واحدة، وبحالتهم الحيوية المذكورة، يرفع سقف الشكوك إلى مستوياتٍ مخيفة؛ إذ يشير بوضوح إلى هوية فاعلٍ مؤسسي، ربما يكون عيادةً طبية غير مرخصة أو “وكراً” سرياً للإجهاض، استباح قدسية الحياة واعتبر الأجنة مجرد “نفايات طبية” يجب التخلص منها تحت جنح الظلام لتضليل العدالة. هذا التراكم في الأجنة يشي بنمطٍ إجرامي متكرر، حيث يُباع القسم الطبي في سوق النخاسة الربحية.
_ميزان العدالة: المقاربة القانونية في مواجهة الانتهاك الجسيم
أمام هذا المشهد الفظيع، يتحرك القانون المصري بموجب مواد عقوباتٍ صارمة لا تعرف اللين في مواجهة العبث بالأرواح، وتتلخص الرؤية القانونية في الآتي:
الإجهاض العمدي: تقع الواقعة تحت طائلة المواد (260، 261، 262) من قانون العقوبات، والتي تجرم إسقاط الحوامل، وتصل العقوبة فيها إلى السجن المشدد إذا وقعت الجريمة من طبيب أو جراح أو صيدلي، نظراً لانتهاك أمانة المهنة.
_التخلص غير الآمن من المخلفات الطبية: يُعد إلقاء الأجنة في القمامة جريمة مركبة تخضع لقانون البيئة وقانون المنشآت الطبية، لما تمثله من خطرٍ وبائي وانتهاكٍ صارخ لكرامة الجسد البشري التي كفلها الدستور.
المسؤولية الجنائية: تتوجه أصابع الاتهام هنا نحو “الاشتراك بالاتفاق والمساعدة” لكل من ساهم في هذه العمليات، من الطاقم الطبي وصولاً إلى من قام بعملية الإلقاء والتخلص المادي.
خاتمة: صرخة في وادي الصمت
إن هذه الفاجعة ليست مجرد خبرٍ عابر في سجلات الحوادث، بل هي ندبة غائرة في جبين المجتمع تتطلب وقفة حازمة. إن جهود الأجهزة الأمنية بالمنيا اليوم لا تقتصر على مطاردة مجهول، بل هي معركة لاسترداد “حق الحياة” وهيبة القانون. إن العدالة الناجزة في هذه القضية ليست ترفاً، بل هي ضرورة لردع كل من تسول له نفسه تحويل رسالة الطب السامية إلى تجارةٍ ملطخة بالدماء .




































