بناء جسور الثقة والمواطنة: تشخيص وحلول لأزمة التهميش والتطرف
حلب _عماد مصطفى
شكلت الجلسة الحوارية التي نظمتها جمعية الحضارة والتنمية بالتعاون مع جمعية وحدة دعم الاستقرار على مدار ثلاثة أيام حدثاً مفصلياً في المشهد المجتمعي المعاصر. لم تكن هذه الجلسة مجرد لقاء عابر، بل كانت ورشة عمل مكثفة وشاملة هدفت إلى تشخيص دقيق ومعالجة جذرية لمجموعة من القضايا الشائكة التي تهدد النسيج الاجتماعي والسياسي. تمحور النقاش، الذي شارك فيه نخبة من المهتمين والمختصين، أبرزهم محمد الهادي عضو جمعية الحضارة والتنمية والمدربة امينة يوسف حيث تطرق المحاضرون عن مجموعة من المشكلات تبدأ بتهميش فئات واسعة، مروراً بالتعصب الأيديولوجي والقومي والديني، وصولاً إلى غياب آليات الحوكمة الفعالة.
لقد مثلت هذه الأيام الثلاثة محاولة صادقة لردم الهوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، والسعي نحو بناء مشروع وطني يقوم على المشاركة الحقيقية وتعزيز الثقة المفقودة. إن تحليل هذه المخرجات يتطلب تفكيكاً منهجياً للمشكلات المطروحة، واستعراضاً للحلول الواقعية التي تم اقتراحها، والتي تهدف إلى تحويل المجتمع من حالة الصراع والشك إلى حالة التعاون والبناء.
بدأت فعاليات الجلسة بتشخيص مفصل للعلل الأساسية التي تعيق التقدم والاستقرار. كان موضوع التهميش،
خاصة تهميش المرأة، في طليعة القضايا المطروحة. هذا التهميش لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والسياسية فحسب، بل يمتد إلى الحرمان من المشاركة الفعالة في صنع القرار، مما يولد شعوراً بالإقصاء لدى نصف المجتمع تقريباً. وعندما تغيب مشاركة المرأة، تفقد العملية التنموية أحد أهم محركاتها.
تلا ذلك تحليل معمق لظاهرة التعصب، سواء كان تعصباً قومياً أو دينياً. سلط الضوء على كيف يمكن لتفسيرات ضيقة ومغلقة للعقائد أن تتحول إلى أدوات للتفريق بدلاً من أن تكون مصادر للوحدة. في السياق الديني، ناقشت الجلسة بوضوح مسألة تشويه صورة الإسلام، حيث تم التأكيد على أن الإسلام دين تعايش وقيم إنسانية سامية، وأن النماذج المتطرفة لا تمثل جوهر الدين. إن ربط الدين أو القومية بالعدائية هو نتاج للجهل الممنهج والاستغلال السياسي للهويات.
ولم يغفل التشخيص دور الجهل والتسرب من المدرسة كأرض خصبة لنمو التطرف. فالأطفال الذين يتسربون من التعليم النظامي يصبحون فريسة سهلة للجماعات المتطرفة أو لخطاب الكراهية المنتشر في فضاءات التواصل الاجتماعي غير المنظمة. كما تم تسليط الضوء على غياب أو ضعف دور القانون، وهو ما يشجع على الإفلات من العقاب ويقوض مفهوم العدالة والمساواة أمام القانون، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في الدولة نفسها.
أما بخصوص تأجيج المشكلة، فقد تم تحديده في انعدام الشفافية بين الشعب والحكومة. هذا الانعدام يخلق فراغاً تملؤه الشائعات والتأويلات السلبية، ويحول العلاقة بين الطرفين إلى علاقة ارتياب متبادل، مما يعيق أي جهد إصلاحي جاد.
هذه الأبعاد المتشابكة شكلت إطار العمل الذي سعت الجلسات الثلاث إلى معالجته.
أحد أهم المداخلات التي تم تداولها كانت ضرورة توجيه رسائل إعلامية واضحة وموجهة بكافة اللغات. يجب أن يكون الإعلام أداة لمكافحة خطاب الكراهية، وليس ناقلاً له. هذا يتطلب استراتيجية إعلامية إيجابية وموحدة تبرز قيم التعايش والاندماج الاجتماعي.
من جهته اكد المشاركون على أهمية الإعلام الإيجابي بكافة أنواعه، سواء التقليدي أو الرقمي، في تقديم النماذج الناجحة للمواطنة المشتركة.
علاوة على ذلك، تم التأكيد على أهمية تربية الأطفال بشكل صحيح وإرشادهم. التعليم الأخلاقي يبدأ في المنزل، ويجب أن تدعمه المدرسة والمؤسسات المجتمعية. هذا الجانب يتقاطع مباشرة مع الحاجة إلى وضع منهاج تعليمي للأخلاق يركز على قيم التسامح واحترام التنوع، بعيداً عن أي أيديولوجيات ضيقة. يجب أن يكون هذا المنهاج مستقلاً ومتكاملاً لضمان ترسيخ هذه القيم في الأجيال القادمة.
تعزيز الثقة بين جميع المكونات يتطلب تطبيق سيادة القانون بشكل فعلي وغير انتقائي. عندما يرى المواطن أن القانون يطبق على الجميع دون محاباة، تبدأ الثقة في التأسيس. هذا يمثل تحدياً كبيراً للدولة يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتفكيك شبكات المحسوبية والفساد التي تضعف سلطة القانون.
التركيز على الأسرة كخلية أساسية للمجتمع كان ضرورياً. الدعوة كانت لبناء أسرة متعاونة ومشتركة، حيث يتم تدريب أفرادها على الحوار وحل النزاعات بطرق سلمية. عندما تكون الأسرة هي النموذج الأول للتعايش، يسهل تعميم هذه الثقافة على المجتمع الأوسع.
لم تقتصر الحلول المقترحة على مسؤولية الدولة وحدها، بل امتدت لتشمل أدواراً محددة للمؤسسات الاجتماعية التقليدية وغير الرسمية. كان من النقاط الجوهرية التي نوقشت ضرورة منح الطوائف والمكونات المختلفة حق التعبير عن نفسها ضمن إطار وطني موحد. هذا الإطار يجب أن يحمي الهويات الفرعية وفي نفس الوقت يضمن ولاءها للمشروع الوطني الجامع. التعبير عن الذات يجب أن يكون في إطار واحد لا يسمح بالانقسام الطائفي أو منافسة الدولة في صلاحياتها.
وفي سياق الأدوار المجتمعية، تم تناول دور العشائر بشكل خاص، حيث طُرح مقترح بأن يقتصر دور العشائر على الجوانب الاجتماعية والإنسانية البحتة، كالتكافل والصلح في القضايا الصغيرة، مع سحب أي صلاحيات ذات طبيعة سياسية أو قضائية قد تتعارض مع سلطة الدولة المركزية والقانون. هذا التحديد يهدف إلى تحويل دور العشائر إلى قوة داعمة للاستقرار الاجتماعي بدلاً من أن تكون مصدراً للتأثير غير الرسمي على القرارات الرسمية.
التحول الثقافي كان حاضراً بقوة في المداخلات. كان هناك إجماع على ضرورة استبدال “ثقافة الشارع” بثقافة أخلاقية راسخة مبنية على أسس العمل المنتج والإيجابية. ثقافة الشارع غالباً ما ترتبط بالفوضى، والاعتماد على المحسوبية، والتعبير السلبي العدواني. استبدالها بثقافة العمل الهادف والمسؤولية الفردية والجماعية هو المفتاح لتحقيق الأهداف الإيجابية المنشودة، مثل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذا الاستبدال يتطلب جهداً توعوياً وإعلامياً مكثفاً يتم




































