رحيل هدى شعراوي
بقلم: سلمى صوفاناتي
في فاجعةٍ هزّت أركان الوسط الفني السوري والعربي، لم يكن رحيل الفنانة القديرة هدى شعراوي مجرد غيابٍ لقامةٍ إبداعية طالما ملأت بيوتنا بالدوار والحكمة، بل كان تجسيداً لملحمةٍ إنسانية سُطرت فصولها بمدادٍ من الغدر والجحود. خلف الجدران العتيقة لمنزلها بدمشق، دارت أحداث قصةٍ تفوق الخيال في قسوتها، حيث التقت أسمى آيات الرعاية بأدنى درجات “سوء الفهم” القاتل.
بروتوكول الرحمة.. و”فوبيا” المنع
تكشف تفاصيل الأيام الأخيرة للراحلة عن مشهدٍ إنساني مهيب؛ فقد كانت “أم زكي” الشاشة، هي ذاتها الأم في الواقع. حين ألمّ مرض “الملاريا” بخادمتها، لم تكتفِ الفنانة بتقديم المأوى، بل تحولت إلى ممرضةٍ ساهرة. قادتها إلى ردهات المشافي، وأخضعتها لأدق الفحوصات المخبرية، متمسكةً بخيط أملٍ لشفائها.
إلا أن “الفخ” كان يكمن في تفاصيل الوصية الطبية. فبناءً على تعليمات الطبيب بضرورة اتباع “حميةٍ كبدية” صارمة ومنع السوائل الباردة والمأكولات الدسمة، مارست شعراوي دور الحارس الأمين على صحة مريضتها. كانت جملتها: “لا تقتربي من الثلاجة”، هي محاولةٌ لقطع الطريق على المرض، لا على لقمة العيش.
حين يغتال الجهلُ المنطق
المأساة الكبرى تجسدت في “الفجوة الإدراكية” لدى الخادمة؛ فبينما كانت هدى تبذل الغالي والنفيس لتوفير الدواء، كانت الجانية تترجم هذا الحرص بوصفه “اضطهاداً”. تحول “المنع الطبي” في عقلها المظلم إلى “حرمانٍ قسري”، وصار الدواء الذي يُقدم لها في مواعيده “مؤامرةً للتسميم”.
لقد سقطت لغة الحوار أمام جدار الجهل، فاستبدلت الخادمة ميزان العقل بـ “مدقة الهاون”، لتنهي حياة سيدةٍ لم يكن ذنبها سوى أنها أرادت لقاتلتها “الحياة”.
خاتمة: رحيلٌ في محراب العطاء
ترحل هدى شعراوي وهي تحمل في جسدها آثار ضرباتٍ غادرة، وفي روحها نقاء المحسنين. إنها “شهيدة الإنسانية” التي قُتلت وهي تذود عن صحة من غدر بها. ستبقى هذه الواقعة درساً قاسياً في تاريخ الوسط الفني، تذكرنا بأن أشد أنواع الوباء فتكاً ليس “الملاريا” التي حاولت الراحلة علاجها، بل هو “عمى البصيرة” الذي حوّل يد الرعاية إلى ضحية، ومدقة الطعام إلى أداةٍ للإعدام.
وداعاً هدى شعراوي.. غادرتِ الدنيا وأنتِ تمارسين أرقى أدوارك: دور “الإنسان”.
سلمى صوفاناتي




































